فصل: 447- باب ما جَاءَ في العَامِل على الصّدَقَةِ بالحق

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


447- باب ما جَاءَ في العَامِل على الصّدَقَةِ بالحق

640- حدثنا أحمد بن مَنِيعٍ حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ أخبرنا يزيدُ بنُ عَياضٍ عن عاصِمِ بن عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ ح وحدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ قال‏:‏ أخْبرنا أَحمدُ بنُ خالدٍ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن عاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ عن محمودِ بنِ لَبيدٍ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏العَامِلُ على الصّدَقَةِ بالحَقّ كالغَازِي في سَبِيلِ الله حتى يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ رَافِعِ بنِ خَديِجٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ ويَزِيدُ بنُ عيَاضٍ ضعيفٌ عندَ أهلِ الحديثِ، وحديثُ مُحَمّدِ بنِ إسحاقَ أَصَحّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏العامل على الصدقة بالحق‏)‏ متعلق بالعامل أي عملاً بالصدق والصواب، أو بالإخلاص والاحتساب ‏(‏كالغازي في سبيل الله‏)‏ أي في تحصيل بيت المال واستحقاق الثواب في تمشية أمر الدارين قاله القاري ‏(‏حتى يرجع‏)‏ أي العامل‏.‏ قال ابن العربي في شرح الترمذي‏:‏ وذلك أن الله ذو الفضل العظيم، قال من جهز فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا، والعامل على الصدقة خليفة الغازي لأنه يجمع مال سبيل الله فهو غاز بعمله وهو غاز بنيته، وقال عليه السلام‏:‏ إن بالمدينة قوماً ما سلكتم وادياً ولا قطعتم شعباً إلا وهم معكم حبسهم العذر، فكيف بمن حبسه العمل للغازي وخلافته وجمع ماله الذي ينفقه في سبيل الله‏.‏ وكما لا بد من الغزو فلا بد من جمع المال الذي يغزو به، فهما شريكان في النية شريكان في العمل، فوجب أن يشتركا في الأجر انتهى ‏(‏حديث رافع بن خديج حديث حسن‏)‏ وأخرجه أبو داود‏.‏

قوله ‏(‏ويزيد بن عياض ضعيف عند أهل الحديث‏)‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ كذبه مالك وغيره‏.‏

قوله ‏(‏وحديث محمد بن إسحاق أصح‏)‏ ومحمد بن إسحاق ثقة قد اعترف به العلماء المالكية والحنفية أيضاً‏.‏ قال ابن العربي في عارضة الأحوذي‏:‏ محمد بن إسحاق ثقة إمام انتهى‏.‏ قلت‏:‏ وقد وثقه العلامة ابن الهمام في فتح القدير‏.‏ وقال العيني في شرح البخاري ص 701ج3‏:‏ ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى‏.‏

448- باب ما جاءَ في المُعْتَدِي في الصّدَقَة

641- حدثنا قُتَيْبةُ أخبرنا اللّيْثُ عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ عن سَعْدِ بنِ سِنَانٍ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏المُعْتَدِي في الصّدَقَةِ كَمَانِعهَا‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وأُمّ سَلَمَةَ وأبي هُرَيْرةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أنَسٍ حديثٌ غريبٌ مِن هذا الوَجْهِ‏.‏

وقد تَكَلَمّ أحمدُ بنُ حَنبلٍ في سَعْدِ بنِ سِنَانٍ‏.‏ وهكذا يقولُ اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عن يَزِيدَ بنِ أَبي حَبِيبٍ عن سَعْدِ بنِ سِنَانٍ عن أنَسِ بنِ مَالكٍ‏.‏ ويقول عمرو بن الحارث وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس‏.‏ قال وسَمِعْتُ محمداً يقولُ‏:‏ والصّحِيحُ سِنَانُ بنُ سَعْدٍ‏.‏ وقَوْلُهُ ‏"‏المُعْتَدِي في الصّدَقَةِ كَمَانِعِهَا‏"‏ يقولُ‏:‏ على المُعْتَدِي مِن الإثْمِ كَمَا على المَانِعِ إذا مَنَعَ‏.‏

قوله ‏(‏المعتدي في الصدقة كمانعها‏)‏ الاعتداء مجاوزة الحد، فيحتمل أن يكون المراد به المزكي الذي يعتدي بإعطاء الزكاة غير مستحقيها ولا على وجهها أو العامل‏.‏ قال التوربشتي‏:‏ إن العامل المعتدي في أخذ الصدقة عن المقدار الواجب هو في الوزر كالذي يمنع عن أداء ما وجب عليه، كذا في اللمعات‏.‏ وقال في شرح السنة‏:‏ معنى الحديث أن على المعتدي في الصدقة من الإثم ما على المانع فلا يحل لرب المال كتمان المال وإن اعتدى عليه الساعي انتهى‏.‏ وقيل المعتدي في الصدقة هو الذي يجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يبقى لعياله شيئاً، وقيل‏.‏ هو الذي يعطي ويمن ويؤذي، فالإعطاء مع المن والأذي كالمنع عن أداء ما وجب عليه، قال تعالى ‏{‏قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى‏}‏ قلت‏:‏ الظاهر أن المراد بالمعتدى في الصدقة العامل المعتدي في أخذ الصدقة، ويؤيده حديث بشير بن الخصاصية قال‏:‏ قلنا إن أهل الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون‏؟‏ قال‏:‏ لا، رواه أبو داود‏.‏ فمعنى الحديث أن على المعتدي في الصدقة من الإثم ما على المانع لأن العامل إذا اعتدى في الصدقة بأن أخذ خيار المال أو الزيادة على المقدار الواجب ربما يمنعها المالك في السنة الأخرى، فيكون في الإثم كالمانع والله تعالى أعلم‏.‏

قوله ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وأم سلمة وأبي هريرة، لينظر من أخرج حديثهم حديث أنس حديث غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، كلهم من رواية سعد بن سنان عن أنس كذا في الترغيب‏.‏

قوله ‏(‏وقد تكلم أحمد بن حنبل في سعد بن سنان‏)‏ قال الذهبي في الميزان في ترجمته‏:‏ قال أحمد‏:‏ لم أكتب أحاديثه لأنهم اضطربوا فيه وفي حديثه‏.‏ وقال الجوزجاني‏:‏ أحاديثه واهية‏.‏ وقال س‏:‏ منكر الحديث‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ ضعيف‏.‏ ونقل ابن القطان أن أحمد يوثقه انتهى‏.‏ وقال الحافظ في التقريب‏:‏ سعد بن سنان، ويقال سنان بن سعد الكندي المصري، وصوب الثاني البخاري وابن يونس، صدوق له أفراد من الخامسة‏.‏

قوله ‏(‏وهكذا يقول الليث بن سعد الخ‏)‏ حاصله أن الرواة مختلفون في اسم سعد بن سنان، فقال الليث‏:‏ سعد بن سنان، وقال عمرو بن الحارث وابن لهيعة‏:‏ سنان بن سعد‏.‏ ونقل الترمذي عن البخاري أن الصحيح سنان بن سعد ويقول عمرو بن الحارث وابن لهيعة ‏(‏عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك‏)‏ لم توجد هذه العبارة في بعض النسخ ‏(‏سمعت محمداً يقول‏:‏ والصحيح سنان بن سعد قد بسط الكلام في هذا المقام الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة سعد بن سنان فعليك أن تراجعه فإنه نافع‏.‏

قوله ‏(‏وقوله المعتدي في الصدقة كمانعها، يقول‏:‏ على المعتدى من الإثم الخ‏)‏ قال ابن الأثير في النهاية‏:‏ المعتدي في الصدقة كمانعها هو أن يعطي الزكاة غير مستحقها، وقيل‏:‏ أراد أن الساعي إذا أخذ خيار المال ربما منعه في السنة الأخرى فيكون سبباً في ذلك فهما في الإثم سواء انتهى‏.‏

449- باب ما جَاءَ في رضا المُصَدّق

‏(‏باب ما جاء في رضى المصدق‏)‏ بتخفيف الصاد أي آخذ الصدقة وهو العامل‏.‏

642- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا محمدُ بنُ يَزِيدَ عن مُجَالِدٍ عن الشّعْبِيّ عن جَرِيرٍ قال‏:‏ قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا أَتَاكُمْ المُصَدّقُ فلا يُفَارِقَنّكُمْ إلا عَنْ رِضاً‏"‏‏.‏

846- حدثنا أبو عَمّارٍ الحسين بن حريث حَدّثنا سُفيَانُ بن عيينة عن داودَ عن الشّعْبِيّ عن جريرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنَحْوِهِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ داودَ عن الشّعْبِيّ أَصَحّ مِنْ حديثِ مُجَالِدٍ‏.‏ وقد ضَعّفَ مُجَالِداً بعضُ أهلِ العلمِ وهو كَثِيرُ الغَلَطِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا أتاكم المصدق فلا يقارقنكم إلا عن رضى‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو عنكم راض‏.‏ قال الطيبي‏:‏ ذكر السبب وأراد السبب لأنه أمر للعامل وفي الحقيقة أمر للمزكي‏.‏ والمعنى تلقوه بالترحيب وأداء زكاة أموالكم ليرجع عنكم راضياً، وإنما عدل إلى هذه الصفة مبالغة في استرضاء المصدق وإن ظلم انتهى‏.‏ قال السيوطي في قوت المتغتذي‏:‏ إذا أتاكم المصدق بتخفيف الصاد وهو العامل فلا يفارقنكم إلا عن رضى‏.‏ قال الشافعي‏:‏ يعني والله اعلم أن يوفوه طائعين ويتلقوه بالترحيب لا أن يؤتوه من أموالهم ما ليس عليهم‏.‏ قال البيهقي في سننه‏:‏ وهذا الذي قاله الشافعي محتمل لولا ما في رواية أبي داود من الزيادة وهي‏:‏ قالوا يا رسول الله‏:‏ وإن ظلمونا‏؟‏ قال‏:‏ ارضوا مصدقيكم وإن ظلمتم فكأنه رأى الصبر على تعديهم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث داود عن الشعبي أصح من حديث مجالد‏)‏ والحديث أخرجه مسلم ‏(‏وقد ضعف مجالداً بعض أهل العلم إلخ‏)‏ في التقريب‏:‏ مجالد بضم أوله وتخفيف الجيم ابن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمرو الكوفي ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره من صغار السادسة انتهى‏.‏ وقال الذهبي في الميزان‏:‏ قال ابن معين وغيره‏:‏ لا يحتج به‏.‏ وقال أحمد‏:‏ يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس ليس بشيء وقال النسائي‏:‏ ليس بالقوي‏.‏ وقال البخاري‏:‏ كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه انتهى مختصراً‏.‏

450- باب ما جَاءَ أنّ الصّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الأغْنِياءِ فتُرَدّ في الفُقَرَاء

643- حدثنا عليّ بن سَعِيدٍ الكِنْدِيّ الكوفيّ، حدثنا حَفْصُ بن غِيَاثٍ عن أَشْعَثَ عن عَوْنِ بنِ أَبي حُجَيْفَةَ عن أَبيهِ قال‏:‏ ‏"‏قَدِمَ عَلَيْنَا مُصَدّقُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأَخَذَ الصّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَجَعَلَهَا في فُقَرَائِنَا، وكُنْتُ غَلاَماً يَتِيماً فأَعْطَانِي منها قَلُوصاً‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي الباب عن ابن عباس‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديث أبي جُحَيْفَةَ حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عون بن أبي جحيفة‏)‏ بتقديم الجيم على الحاء كجهينة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا‏)‏ قال في حاشية النسخة الأحمدية‏:‏ أي فقراء ذلك القوم والبلد وهذا مستحب، اللهم إذا كان غيرهم أحوج منهم وأحق فيحمل الصدقة من بلد إلى بلد ومن قوم إلى قوم آخر انتهى بلفظه‏.‏

قلت‏:‏ قد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما‏.‏ ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل، فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها، كذا في فتح الباري‏.‏ وفيه‏:‏ ولا يبعد أنه اختيار البخاري لأن قوله حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قد عقد البخاري في صحيحه بلفظ‏:‏ باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا، وأورد فيه حديث ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل‏:‏ إنك ستأتي قوماً أهل الكتاب الحديث وفيه‏:‏ فأخبرهم أن الله قد أفترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ ظاهر حديث الباب أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم‏.‏ وقال ابن المنير‏:‏ اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله‏:‏ فترد في فقرائهم لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث انتهى‏.‏ قال‏:‏ والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل وأن الضمير يعود على المخاطبين فيختص بذلك فقرائهم، لكن رجح ابن دقيق العيد الأول وقال‏:‏ وإن لم يكن الأظهر إلا أنه يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر في الزكاة كما لا تعتبر في الصلاة فلا يختص بها الحكم وإن اختص بهم خطاب المواجهة انتهى ما في الفتح‏.‏

قلت‏:‏ لا شك أن الظاهر المتبادر إلى الذهن من هذا الحديث هو عدم النقل، ويؤيده حديث أبي جحيفة الذي أورده الترمذي في هذا الباب وحديث عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له أين المال‏؟‏ قال‏:‏ وللمال أرسلتني‏؟‏ أخذناه من حيث كنا نأخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه، رواه أبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح‏.‏ فالراجح عندي أن الصدقة ترد في فقراء من أخذت من أغنيائهم إلا إذا فقدوا أو تكون في نقلها مصلحة أنفع من ردها إليهم، فحينئذ تنقل لما علم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستدعي الصدقات من الإعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار، كما أخرج النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال‏:‏ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقة، فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لولا أنها تعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها‏"‏، والله تعالى أعلم ‏(‏قلوصاً‏)‏ بفتح القاف الناقة الشابة ويجمع على قلاص بكسر القاف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عباس‏)‏ أخرجه الشيخان ‏(‏حديث أبي جحيفة حديث حسن غريب‏)‏ قال في النيل‏:‏ رجال هذا الحديث ثقات إلا أشعث بن سوار ففيه مقال وقد أخرج له مسلم متابعة انتهى‏.‏

451- باب مَنْ تَحِلّ لَهُ الزكاة

644- حدثنا قُتَيْبةُ و عَليّ بن حُجْرٍ قال قُتَيْبةُ حدثنا شَرِيكٌ وقال عليّ حدثنا شَرِيكٌ ‏(‏والمَعْنَى واحِدٌ‏)‏ عن حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بن يَزيِدَ عَنْ أبيهِ عن عبدِ الله بن مَسْعُودٍ قال‏:‏ قالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏مَنْ سَأَلَ النّاسَ ولَهُ ما يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ القِيامةِ ومَسْأَلَتُهُ في وجْهِهِ خُمُوشٌ أو خُدُوشٌ أَو كُدُوحٌ‏"‏ قِيلَ يا رَسُولَ الله وما يُغْنِيهِ‏؟‏ قال ‏"‏خَمْسُونَ دِرْهماً أو قِيمَتُهَا مِنَ الذهَبِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عبدِ الله بن عَمْروٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ مَسْعُودٍ حديثٌ حسنٌ‏.‏ وقد تَكَلّمَ شُعْبَةُ في حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ مِنْ أجْلِ هذا الحديثِ‏.‏

156- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ حدثنا سُفيانُ عن حَكِيمِ بنِ جُبَيرٍ بهذا الحَديثِ، فقالَ لَهُ عبدُ الله بنُ عُثْمَانَ صَاحِبُ شُعْبَةَ‏:‏ لَوْ غَيْرُ حَكِيمٍ حَدّثَ بهذا الحديث، فقالَ لَهُ سُفْيَانُ وما لحكِيمٍ لا يُحَدّثُ عنهُ شُعْبَةُ قال‏:‏ نعَمْ قال سُفيانُ سَمِعْتُ زُبَيْداً يُحَدّثُ بهذا عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ يَزِيدَ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ بعضِ أَصْحَابِنَا‏.‏ وبه يَقُولُ الثّوْرِيّ وعبدُ الله بنُ المبَارَكِ وأحمدُ وإسحاقُ، قالوا إذا كانَ عندَ الرّجُلِ خمسونَ دِرْهَماً لَمْ تَحِلّ لَهُ الصّدَقَةُ‏.‏

قال‏:‏ ولم يَذْهَبْ بعضُ أهلِ العلمِ إلى حَدِيثِ حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ وَوَسّعُوا في هذا وقالوا‏:‏ إذا كانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَماً‏.‏ أو أكْثَرُ وهو مُحْتَاجٌ فَلَهُ أَنْ يَأخُذَ مِنَ الزكاةِ‏.‏ وهو قَوْلُ الشافعيّ وغَيْرِهِ مِنْ أَهلِ الفِقْهِ والعلمِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المعنى واحد‏)‏ أي لفظ حديث قتيبة وعلي بن حجر مختلف ومعنى حديثهما واحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وله ما يغنيه‏)‏ أي عن السؤال ‏(‏ومسألته‏)‏ أي أثرها ‏(‏في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح‏)‏ بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني جمع خمش وخدش وكدح، فـ ‏"‏أو‏"‏ هنا إما لشك الراوي إذا الكل يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يقشر أو يجرح، ولعل المراد بها آثار مستنكرة وفي وجهه حقيقة أو أمارات ليعرف ويشهر بذلك بين أهل الموقف، أو لتقسيم منازل السائل فإنه مقل أو مكثر أو مفرط في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك، والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح، إذا الخمش في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد، وقيل الخدش قشر الجلد بعود، والخمش قشره بالأظفار، والكدح العض، وهي في أصلها مصادر لكنها لما جعلت أسماء للاَثار جمعت، كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وما يغنيه‏)‏ أي كم هو أو أي مقدار من المال يغنيه ‏(‏قال خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب‏)‏ أي قيمة الخمسين من الذهب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن عمرو‏)‏ أخرجه النسائي بلفظة‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من سأل وله أربعون درهماً فهو الملحف‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ وفي الباب عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد له صحبة في أثناء حديث مرفوع قال فيه‏:‏ من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً، أخرجه أبو داود‏.‏ وعن سهل بن الحنظلية قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار‏"‏، فقالوا يا رسول الله وما يغنيه‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏قدر ما يغديه ويعشيه‏"‏، أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان، كذا في فتح الباري ‏(‏حديث ابن مسعود حديث حسن‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث‏)‏ وتكلم فيه غيره أيضاً‏.‏ قال الذهبي في الميزان‏:‏ شيعي مقل‏.‏ قال أحمد‏:‏ ضعيف منكر الحديث‏.‏

وقال النسائي‏:‏ ليس بالقوي‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ متروك‏.‏ وقال الجوزجاني‏:‏ حكيم بن جبير كذاب انتهى مختصراً‏.‏ وقال الحافظ في التقريب‏:‏ ضعيف رمي بالتشيع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال له‏)‏ أي لسفيان، وقائل هذا يحيى بن آدم ‏(‏لو غير حكيم حدث بهذا‏)‏ كلمة لو للتمني ‏(‏فقال له‏)‏ أي لعبد الله بن عثمان ‏(‏لا يحدث عنه شعبة‏)‏ بتقدير همزة الاستفهام أي ألا يحدث عنه شعبة ‏(‏قال نعم‏)‏ أي قال عبد الله بن عثمان‏:‏ نعم لا يحدث عنه شعبة‏.‏ قال الذهبي في الميزان‏:‏ قال معاذ‏:‏ قلت لشعبة‏:‏ حدثنى بحديث حكيم بن جبير قال أخاف النار أن أحدث عنه، قلت فهذا يدل على أن شعبة ترك الرواية بعد انتهى ‏(‏قال سفيان سمعت زبيداً يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد‏)‏ وفي رواية أبي داود قال يحيى‏:‏ فقال عبد الله بن عثمان لسفيان‏:‏ حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير، فقال سفيان‏:‏ فقد حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد‏.‏ قلت‏:‏ زبيد هذا هو ابن الحارث اليامي الكوفي ثقة ثبت عابد من السادسة‏.‏ قال الحافظ المنذري في تلخيص السنن‏:‏ قال الخطابي‏:‏ وضعفوا الحديث للعلة التي ذكرها يحيى بن آدم، قالوا‏:‏ أما مارواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده وإنما قال فقد حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد حسب‏.‏ وحكى الترمذي أن سفيان صرح بإسناده فقال سمعت زبيدا يحدث بهذا عن محمد بن عبد الرحمَن بن يزيد، وحكاه ابن عدي أيضاً، وحكى أيضاً أن الثوري قال‏:‏ فأخبرنا به زبيد، وهذا يدل على أن الثوري حدث به مرتين لا يصرح فيه بالإسناد ومرة يسنده فتجتمع الروايات‏.‏ وسئل يحيى بن معين‏:‏ يرويه أحد غير حكيم‏؟‏ فقال يحيى‏:‏ نعم يرويه يحيى بن آدم عن زبيد‏.‏ ولا أعلم أحداً يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم لو كان كذا لحدث به الناس جميعاً عن سفيان، لكنه حديث منكر‏.‏ هذا الكلام قاله يحيى أو نحوه انتهى كلام المنذري ملخصاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول الشافعي وغيره من أهل الفقه والعلم‏)‏، وقال الشافعي قد يكون الرجل غنياً بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله‏.‏

وفي المسألة مذاهب أخرى، أحدها قول أبي حنيفة‏:‏ إن الغنى من ملك نصاباً فيحرم عليه أخذ الزكاة‏.‏ واحتج بحديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن وقول النبي صلى الله عليه وسلم له‏:‏ ‏"‏تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فوصف من تؤخذ الزكاة منه بالغنى‏"‏‏.‏ وقد قال‏:‏ ‏"‏لا تحل الصدقة لغني‏"‏‏.‏

ثانيها‏:‏ أن حده من وجد ما يغديه وما يعشيه على ظاهر حديث سهل بن الحنظلية حكاه الخطابي عن بعضهم، ومنهم من قال وجهه من لا يجد غداء ولا عشاء على دائم الأوقات‏.‏

ثالثها‏:‏ أن حده أربعون درهماً، وهو قول أبي عبيد بن سلام على ظاهر حديث أبي سعيد وهو الظاهر من تصرف البخاري لأنه أتبع ذلك قوله لا يسألون الناس إلحافاً، وقد تضمن الحديث المذكور أن من سأل وعنده هذا القدر فقد سأل إلحافاً كذا في فتح الباري‏.‏ والمراد بحديث أبي سعيد ما روايه النسائي عنه وفيه‏:‏ ومن سأل وله أوقية فقد ألحف‏.‏

452- باب ما جَاءَ مَنْ لا تَحِلّ لَهُ الصّدَقَة

645- حدثنا أبو بكر محمد بن بَشّارٍ، حدثنا أبو دَاودَ الطّيَالِسيّ، حدثنا سُفْيَانُ بن سعيد ح وحدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ حدثنا عبدُ الرّزّاقِ أخبرنا سُفْيَانُ عن سَعْدِ بنِ إبراهِيمَ عن رَيْحَانَ بنِ يزيد عن عبدِ الله بن عَمْرٍو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏لا تَحِلّ الصّدَقَةُ لِغَنِي ولا لِذِي مرّةٍ سَوِيّ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن أبي هُرَيرَةَ وحُبْشِيّ بن جُنَادَةَ وقَبِيصَةَ بنِ مخَارِقِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عبدِ الله بنِ عَمْروٍ حديثٌ حسنٌ‏.‏ وقد رَوَى شُعْبَة عن سَعْدِ بن إبراهِيمَ هذا الحديِثَ بهذا الإسْنَادِ ولَمْ يَرْفَعْهُ‏.‏

وقد رُوِيَ في غَيْرِ هذا الحديثِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا تَحِلّ المسْأَلَةَ لِغَنِي ولا لِذِي مِرّةٍ سَوِي‏"‏‏.‏

وإذا كانَ الرجُلُ قَوِيّاً مُحْتَاجاً ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فتُصُدّقَ عَلَيْهِ أجْزَأ عَن المُتَصَدّقِ عندَ أهلِ العلمِ وَوَجْهُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بعضِ أَهْلِ العِلْمِ عَلى المسْأَلَةِ‏.‏

646- حدثنا عليّ بنُ سَعيدٍ الكِنْدِيّ حدثنا عبد الرّحِيمِ بن سُليمانَ عن مُجَالِدٍ عن عَامِرٍ الشعبي عن حُبْشِيّ بن جُنَادَةَ السّلُوليّ‏.‏ قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول في حَجّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ أتَاهُ أَعْرَابِيّ فأخَذَ بِطَرَفِ رِدَائِهِ فَسَأَلَهُ إيّاهُ فَأَعْطَاهُ وَذَهَبَ فَعِنْدَ ذلك حَرُمَتِ المسْأَلَةُ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنّ المسْأَلَةَ لا تَحِلّ لِغَنِي ولا لِذِي مِرّةٍ سَوِي إلاّ لِذِي فَقْر مُدْقِعٍ أَو غُرْمٍ مُفْظِعٍ، ومَنْ سَأَلَ النّاسَ لِيُثْري بهِ مَالهُ كان خُمُوشاً في وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامةِ ورضْفاً يأْكُلُهُ مِنْ جَهَنّمَ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُقِلّ ومَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ‏"‏‏.‏

647- حدثنا مَحمودُ بن غَيْلاَنَ حدثنا يَحْيَى بنُ آدَمَ عن عبدِ الرّحيمِ بنِ سُليمَانَ نَحْوَهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا لذي مرة‏)‏ بكسر الميم وتشديد الراء أي قوة ‏(‏سوى‏)‏ أي مستوى الخلق قاله الجوهري والمراد استواء الأعضاء وسلامتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة‏)‏ أخرجه أبو دادو والنسائي وابن ماجه ‏(‏وحبشي بن جنادة‏)‏ أخرجه الترمذي ‏(‏وقبيصة بن المخارق‏)‏ أخرجه مسلم ‏(‏حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن‏)‏ وأخرجه أبو داود والدارمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة‏)‏ أي حديث عبد الله بن عمرو المذكور عند بعض أهل العلم محمول على المسألة، والمراد بقوله‏:‏ لا تحل الصدقة‏.‏ لا تحل المسألة والدليل عليه حديث حبشي بن جنادة الاَتي لكنه ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن حبشي‏)‏ بضم الحاء وسكون الموحدة ‏(‏بن جنادة‏)‏ بضم الجيم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا لذي مرة‏)‏ أي لذي قوة على الكسب ‏(‏سوى‏)‏ صحيح سليم الأعضاء ‏(‏إلا لذي فقر مدقع‏)‏ بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء وهي الأرض التي لا نبات بها ‏(‏أو غرم مفظع‏)‏ بضم الغين المعجمة وسكون الراء وهو ما يلزم أداؤه تكلفاً لا في مقابلة عوض والمفظع بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة وهو الشديد الشنيع الذي جلوز الحد‏.‏ كذا في النيل الأوطار‏.‏ وقال القاري في المرقاة‏:‏ قال الطيبي‏:‏ والمراد ما استدان لنفسه وعياله في مباح‏.‏ قال‏:‏ ويمكن أن يكون المراد به ما لزمه من الغرامة بنحو دية وكفارة انتهى ‏(‏ليثرى‏)‏ من الإثراء ‏(‏به‏)‏ أي بسبب السؤال وبالمأخوذ ‏(‏ماله‏)‏ قال القاري في المرقاة‏:‏ بفتح اللام ورفعه أي ليكثر ماله من أثرى الرجل إذا كثرت أمواله، كذا قاله بعض الشراح‏.‏ وفي النهاية‏.‏ الثري المال، وأثرى القوم كثروا وكثرت أموالهم‏.‏ وفي القاموس‏.‏ الثروة كثرة العدد من الناس والمال، وثري القوم ونموا، والمال كذلك، وثري كرضي كثر ماله، كأثرى‏.‏ إذا عرفت ذلك فاعلم أن في أكثر النسخ ماله بفتح اللام، وهو خلاف ما عليه أهل اللغة من أن أثرى لازم فيتعين رفعه اللهم إلا أن يقال ‏"‏ما‏"‏ موصولة و ‏"‏له‏"‏ جار ومجرور انتهى ‏(‏كان‏)‏ أي السؤال أو المال ‏(‏خموشاً‏)‏ بالضم أي عبساً ‏(‏ورضفاً‏)‏ بفتح فسكون أي حجراً محمياً ‏(‏فمن شاء فليقل‏)‏ أي هذا السؤال أو ما يترتب عليه من النكال ‏(‏ومن شاء فليكثر‏)‏ وهما أمر تهديد، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب من هذا الوجه‏)‏ لم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة أو الضعف، والحديث ضعيف لأن في سنده مجالداً وهو ضعيف‏.‏

453- باب ما جاءَ مَن تَحِلّ لَهُ الصّدَقَةُ مِنَ الغَارِمِينَ وغَيْرِهِم

648- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا اللّيْثُ عن بُكَيْرِ بنِ عبدِ الله بن الأشَجّ عن عِيَاضِ بنِ عبدِ الله عن أَبيِ سَعيدٍ الخُدْرِيّ قال‏:‏ أُصِيبَ رَجُلٌ في عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُه فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏تَصَدّقُوا عليهِ‏"‏، فَتَصَدّقَ الناسُ عليهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِغُرَمَائِهِ‏:‏ ‏"‏خُذُوا ما وَجَدْتُمْ ولَيْسَ لكُمْ إلاّ ذلكَ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عائِشَةَ وجُوَيْرِيَةَ وأنَسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أَبي سَعِيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أصيب رجل‏)‏ أي أصابه آفة، قيل هو معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ‏(‏في ثمار‏)‏ متعلق بأصيب ‏(‏ابتاعها‏)‏ أي اشتراها، والمعنى لحقه خسران بسبب إصابة آفة في ثمار اشتراها ولم ينقد ثمنها ‏(‏فكثر دينه‏)‏ أي فطالبه البائع بثمن تلك الثمار، وكذا طالبه بقية غرمائة وليس له مال يؤديه ‏(‏فلم يبلغ ذلك‏)‏ أي ما تصدقوا عليه ‏(‏لغرمائه‏)‏ جمع غريم وهو بمعنى المديون والدائن، والمراد ههنا هو الأخير ‏(‏وليس لكم إلا ذلك‏)‏ أي ما وجدتم، والمعنى ليس لكم إلا أخذ ما وجدتم، والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسرة‏.‏ وقال المظهر‏.‏ أي ليس لكم زجره وحبسه لأنه ظهر إفلاسه، وإذا ثبت إفلاس الرجل لا يجوز حبسه في الدين بل يخلى ويمهل إلى أن يحصل له مال فيأخذه الغرماء، وليس معناه أنه ليس لكم إلا ما وجدتم وبطل ما بقي من ديونكم، لقوله تعالى ‏"‏وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى مسيرة‏"‏ كذا في المرقاة‏.‏

قلت‏:‏ ما نفاه المظهر قد قال به جماعة، وهم الذين ذهبوا إلى وجوب وضع الجائحة‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ اختلف العلماء في الثمرة إذا بيعت بعد بدو الصلاح وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها ثم تلفت قبل أوان الجذاذ بآفة سماوية، هل تكون من ضمان البائع أو المشتري‏؟‏ فقال الشافعي في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون‏:‏ هي من ضمان المشتري ولا يجب وضع الجائحة لكن يستحب‏.‏ وقال الشافعي في القديم وطائفة‏:‏ هي من ضمان البائع ويجب وضع الجائحة‏.‏ وقال مالك‏:‏ إن كانت دون الثلث لم يجب وضعها وإن كانت الثلث فأكثر، وجب وضعها وكانت من ضمان البائع، ثم ذكر النووي دلائل هؤلاء الأئمة من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وجويرية وأنس‏)‏ أما حديثي عائشة وحديث جويرية فلينظر من أخرجهما، وأما حديث أنس فأخرجه أحمد وأبو داود عنه مرفوعاً‏:‏ إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة‏.‏ لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع‏.‏ كذا في المنتقى‏.‏ وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في نصب الراية والدراية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي سعيد حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

454- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الصدقَةِ للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأَهْلِ بَيْتِهِ ومَوَالِيه

649- حدثنا محمد بن بشار حدثنا مَكّيّ بنُ إبراهيمَ و يوسُفُ بنُ يعقوب الضّبَعِيّ قالا‏:‏ حدثنا بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ عن أَبيهِ عن جَدّهِ قال ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بِشَيْءٍ سأَلَ ‏"‏أَصَدَقَةٌ هيَ أَمْ هَدِيّةٌ‏؟‏ فإِنْ قَالُوا صَدَقَةٌ لَم يَأْكُلْ، وإنْ قالُوا هَدِيّةٌ أَكَلَ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن سَلْمَانَ وأَبي هُرَيْرَةَ وأَنَسٍ والحسَنِ بنِ علي وأبي عمِيرَةَ ‏(‏جَد مُعَرّفُ بنِ وَاصِلٍ واسْمُهُ رشَيْدُ بنُ مَالِكٍ‏)‏ ومَيْمُونِ بن مهْرانَ وابنِ عباسٍ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وَأبي رَافِعٍ وعبدِ الرحمَنِ بنِ عَلْقَمَةَ‏.‏

وقد رُوِيَ هذا الحديثُ أيضاً عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عَلْقَمَةَ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أَبي عَقِيلٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وجَدّ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ اسْمُهُ مُعَاوِيةُ بنُ حَيْدَةَ القُشَيْرِيّ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

650- حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى قال‏:‏ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن الحكَمِ عن ابنِ أبي رَافِعٍ عن أبي رَافِعٍ رضي الله عنه ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ رَجُلاً مِنْ بَنيِ مَخْزُومٍ على الصّدَقة، فقالَ لأبي رَافِعٍ ‏"‏اصحَبْنيِ كَيْمَا تُصيبَ منها‏"‏، فقال‏:‏ لا حَتّى آتِيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأَسْأَلَهُ، فانطَلَقَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ فقال‏:‏ ‏"‏إنّ الصّدَقَةَ لاَ تَحِلّ لنَا وإن مَوَالِيَ القَوْمِ مِنْ أنْفُسِهِمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وأَبو رَافِعِ مَوْلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم اسْمُهُ أسْلَمُ وابنُ أبي رَافِعٍ هُوَ عُبَيْدُ الله بنُ أبي رَافِعِ كَاتِبُ عليّ بن أبي طَالِبٍ رضي الله عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويوسف بن يعقوب الضبعي‏)‏ بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وعين مهملة نزل في بني ضبيعة فنسب إليهم وليس منهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وإن قالوا هدية أكل‏)‏ فارقت الصدقة الهدية حيث حرمت عليه تلك وحلت له هذه بأن القصد من الصدقة ثواب الاَخرة، وذلك ينبئ عن عز المعطي وذل الآخذ في احتياجه إلى الترحم عليه والرفق إليه، ومن الهدية التقرب إلى المهدي إليه وإكرامه بعرضها عليه، ففيها غاية العزة والرفعة لديه‏.‏ وأيضاً فمن شأن الهدية مكافأتها في الدنيا، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يأخذ الهدية ويثيب عوضها عنها فلا منة البتة فيها بل لمجرد المحبة كما يدل عليه حديث‏:‏ تهادوا تحابوا وأما جزاء الصدقة ففي العقبي ولا يجازيها إلا المولى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سلمان وأبي هريرة وأنس والحسن بن علي وأبي عميرة جد معروف بن واصل واسمه رشيد بن مالك وميمون أو مهران وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي رافع وعبد الرحمَن بن عقلمة‏)‏ أما حديث سلمان فأخرجه أحمد والحاكم في المستدرك من رواية أبي ذر الكندي عن سلمان‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة الحديث، وفيه فسأله أصدقة أم هدية‏؟‏ فقال‏:‏ هدية‏.‏ فأكل، اللفظ للحاكم‏.‏ وروى أحمد من رواية أبي الطفيل عن سلمان قال‏.‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه أيضاً الشيخان‏.‏ وأما حديث الحسن بن علي فأخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير من رواية أبي الحوراء قال‏:‏ كنا عند الحسن بن علي فسأل ما عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال‏:‏ كنت أمشي معه فمر على جرين من تمرة الصدقة فأخذت تمرة فألقيتها في فمي فأخذها بلعابها، فقال بعض القوم‏.‏ وما عليك لو تركتها‏؟‏ فقال‏.‏ إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة، وإسناده صحيح‏.‏

وأما حديث أبي عميرة بفتح العين وكسر الميم واسمه رشيد بضم الراء وفتح الشين المعجمة فأخرجه الطحاوي عنه قال‏:‏ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتى يطبق عليه تمر فقال أصدقة أم هدية الحديث، وفيه‏:‏ إنا آل محمد لا نأكل الصدقة، وأخرجه الكجي في مسنده نحوه‏.‏

وأما حديث ميمون أو مهران فأخرجه عبد الرزاق‏.‏

وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو يعلى والطبراني في الكبير قال‏:‏ استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الأرقم بن أبي الأرقم على السعاية فاستتبع أبا رافع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال‏:‏ يا أبا رافع إن الصدقة حرام عليّ وعلى آل محمد وإن مولى القوم من أنفسهم‏.‏

وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد عنه بلفظ‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة تحت جنبه من الليل فأكلها فلم ينم تلك الليلة فقال بعض نسائه‏:‏ يا رسول الله أرقت البارحة قال‏:‏ ‏"‏إني وجدت تمرة فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن يكون منه‏"‏‏.‏

وأما حديث أبي رافع فأخرجه أبو داود بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم فقال لأبي رافع‏:‏ إصحبني فإنك تصيب منها فقال‏:‏ حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتاه فسأله فقال‏:‏ مولى القوم من أنفسهم وإنا لا تحل لنا الصدقة‏.‏ واسم أبي رافع إبراهيم أو أسلم أو ثابت أو هرمز مولى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأما حديث عبد الرحمَن بن علقمة فأخرجه النسائي عنه قال‏:‏ قدم وفد لثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم هدية فقال‏:‏ أهدية أم صدقة الحديث، وفيه‏:‏ قالوا لا، فقبلها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الرحمَن بن أبي عقيل‏)‏ بفتح العين وكسر القاف ‏(‏اسمه معاوية بن حيدة‏)‏ بفتح الحاء المهملة وسكون التحتانية وفتح الدال المهملة ‏(‏القشيري‏)‏ قال في المغنى بضم قاف وفتح شين معجمة وسكون ياء منسوب إلى قشير بن كعب منه بهز بن حكيم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة‏)‏ أي أرسله ساعياً ليجمع الزكاة ويأتي بها إليه، والرجل هو الأرقم بن أبي الأرقم قاله السيوطي ‏(‏فقال‏)‏ أي الرجل ‏(‏اصحبني‏)‏ أي رافقني وصاحبني في هذا السفر ‏(‏كما تصيب‏)‏ نُصب بكى وما زائدة أي لتأخذ ‏(‏منها‏)‏ أي من الصدقة ‏(‏فقال لا‏)‏ أي لا أصحبك ‏(‏فاسأله‏)‏ أي استأذنه، أو اسأله هل يجوز لي أم لا‏؟‏ ‏(‏وإن موالي القوم‏)‏ أي عتقاؤهم ‏(‏من أنفسهم‏)‏ بضم الفاء أي فحكمهم كحكمهم، والحديث يدل على تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم وتحريمها على آله، ويدل على تحريمها على موال آل بني هاشم ولو كان الأخذ على جهة العمالة، قال الحافظ في الفتح‏:‏ وبه قال أحمد وأبو حنيفة وبعض المالكية كإبن الماجشون وهو الصحيح عند الشافعية‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ يجوز لهم لأنهم ليسوا منهم حقيقة، وكذلك لم يعوضوا بخمس الخمس ومنشأ الخلاف قوله‏:‏ منهم أو من أنفسهم هل يتناول المساواة في حكم تحريم الصدقة أم لا، وحجة الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام فلا دليل فيه على تحريم الصدقة، لكنه ورد على سبب الصدقة، وقد اتفقوا على أنه لا يخرج السبب وإن اختلفوا هل يخص به أو لا انتهى‏.‏ قلت‏:‏ والظاهر ما ذهب إليه أحمد وأبو حنيفة وغيرهما والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي ‏(‏وابن أبي رافع هو عبيد الله أبي رافع إلخ‏)‏ ثقة من الثالثة‏.‏

455- باب ما جَاءَ في الصّدَقَةِ على ذِيِ القَرَابَة

651- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن عاصمٍ الأحْوَلِ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيْرِيْنَ عن الرّبَابِ عن عمّها سَلْمَانَ بنِ عامرٍ يَبْلُغُ بِهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏إذا أفْطَرَ أَحَدُكم فليُفْطِرْ على تَمْرٍ فإِنّهُ بَرَكَةٌ، فإِن لم يَجِد تَمْرَاً فالماءُ فإِنّهُ طَهُورٌ وقال‏:‏ ‏"‏الصّدَقَةُ على المسْكِينِ صَدَقَةٌ وهِيَ على ذِي الرّحِمِ ثِنْتَانِ صدَقَةٌ وصِلَةٌ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن زَيْنَبَ امْرَأَةِ عبدِ الله بن مَسْعُودٍ وجابرٍ وأبي هُرَيْرَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ حديثٌ حسنٌ‏.‏ والرّبَابُ هَيِ اّمّ الرّائِحِ بنت صُلَيْعٍ‏.‏ وهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثوريّ عن عَاصِمٍ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرينَ عن الرّبَابِ عَن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هذا الحديثِ‏.‏ وَرَوَى شُعْبَةُ عن عَاصِمٍ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرينَ عن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ ‏(‏عن الرّبَابِ‏)‏‏.‏ وحديثُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابْنِ عُيَيْنَةَ أَصَحّ‏.‏ وهَكذَا رَوَى ابنُ عَوْنٍ وهِشَامُ بنُ حَسّانَ عن حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عن الرّبَابِ عن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن حفصة بنت سيرين‏)‏ أم الهذيل الأنصارية البصرية ثقة من الثالثة ‏(‏عن الرباب‏)‏ بفتح الراء وتخفيف الموحدة وآخرها موحدة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإنه‏)‏ أي التمر ‏(‏بركة‏)‏ أي ذو بركة وخير كثير، أو أريد به المبالغة‏.‏ قال الطيبي‏:‏ أي فإن الإفطار على التمر فيه ثواب كثير وبركة‏.‏ وفيه أنه يرد على عدم حسن المقابلة بقوله‏:‏ فإنه طهور، قاله القاري ‏(‏فإن لم يجد تمراً فالماء‏)‏ أي فالماء كاف للإفطار أو مجزئ عن أصل السنة ‏(‏فإنه طهور‏)‏ أي بالغ في الطهارة فيبتدأ به تفاؤلا بطهارة الظاهر والباطن‏.‏ قال الطيبي‏:‏ لأنه مزيل المانع من أداء العبادة ولذا من الله تعالى على عباده ‏(‏وأنزلنا من السماء ماء طهوراً‏)‏ وقال ابن الملك‏:‏ يزيل العطش عن النفس انتهى‏.‏ ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام عند الإفطار، ذهب الظمأ ‏(‏الصدقة على المسكين‏)‏ أي صدقة واحدة ‏(‏وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة‏)‏ يعني أن الصدقة على الأقارب أفضل لأنه خيران ولا شك أنهما أفضل من واحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود وجابر وأبي هريرة‏)‏ أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه البخاري وفيه‏:‏ قال نعم لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحديث سلمان بن عامر حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي، ولم يذكر‏:‏ فإنه بركة غير الترمذي، وفي رواية أخرى‏:‏ كذا في المشكاة‏.‏ وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم وقال صحيح الإسناد‏.‏ كذا في الترغيب ‏(‏والرباب هي أم الرائح‏)‏ بالراء والهمزة والحاء المهملة ‏(‏ابنة صليع‏)‏ بمهملتين مصغرة‏.‏

456- باب ما جَاءَ أَن في المالِ حقا سِوى الزكاة

‏(‏ت‏:‏ 72‏)‏ 652- حدثنا محمدُ بن أحمد بن مَدّوَيه، حدثنا الأسودُ بنُ عَامِرٍ عن شَرِيكٍ عن أبي حَمْزَةَ عن الشّعْبِيّ عن فَاطِمَةَ بنت قَيْس قالَتْ‏:‏ سَأَلْتُ أو سُئِلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الزكاةِ فقال‏:‏ ‏"‏إنّ في المالِ لَحَقّاً سِوَى الزكاةِ‏"‏ ثُمّ تَلاَ هذِهِ الاَيةَ الّتي في البَقَرَةِ‏:‏ ‏{‏لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ‏}‏ الاَية‏.‏

653- حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ أخبرنا محمدُ بنُ الطُفَيْلِ عن شَرِيكٍ عن أبي حمْزَةَ عن عَامِرٍ الشّعبيّ عن فَاطِمَةَ بِنْت قَيْسٍ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إنّ في المالِ حَقّاً سِوَى الزكاةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ‏.‏ وأبو حَمْزَةَ مَيْمُونٌ الأعْوَرُ يُضَعّفُ وَرَوَى بَيَانٌ وإسماعيلُ بنُ سَالِمٍ عن الشّعْبِيّ هذا الحديثَ قَوْلَهُ وهذا أصَحّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن مدويه‏)‏ بفتح الميم وتشديد الدال قال الحافظ في التقريب‏:‏ محمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه بميم وتسكين الدال المهملة القرشي أبو عبد الرحمَن الترمذي صدوق من الحادية عشرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن في المال لحقاً سوى الزكاة‏)‏ كفكاك أسير وإطعام مضطر وإنقاذ محترم، فهذه حقوق واجبة غيرها، لكن وجوبها عارض فلا تدافع بينه وبين خبر‏:‏ ليس في المال حق سوى الزكاة‏.‏ قاله المناوي في شرح الجامع الصغير‏.‏ وقال القاري في المرقاة‏:‏ وذلك مثل أن لا يحرم السائل والمستقرض، وأن لا يمنع متاع بيته من المستعير كالقدر والقصعة وغيرهما، ولا يمنع أحد الماء والملح والنار‏.‏ كذا ذكره الطيبي وغيره انتهى ‏(‏ثم تلا هذه الاَية إلخ‏)‏ أي قرأها اعتضاداً واستشهاداً، والاَية بتمامها هكذا ‏{‏ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاَخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة‏}‏ قال الطيبي رحمه الله‏:‏ وجه الاستشهاد أنه تعالى ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فدل ذلك على أن في المال حقاً سوى الزكاة، قيل‏:‏ الحق حقان‏:‏ حق يوجبه الله تعالى على عباده، وحق يلتزمه العبد على نفسه الزكية الموقاة من الشح المجبول عليه الإنسان انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عامر‏)‏ هو الشعبي الذي وقع في المسند التقدم ‏(‏هذا حديث إسناده ليس بذاك‏)‏ والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه والدارمي ‏(‏وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف‏)‏ قال أحمد‏:‏ متروك الحديث، وقال الدارقطني‏:‏ ضعيف‏.‏ وقال البخاري‏:‏ ليس بالقوي عندهم‏.‏ وقال النسائي‏:‏ ليس بثقة كذا في الميزان‏.‏

457- باب ما جَاء في فَضْلِ الصّدَقَة

654- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ عن سَعِيدٍ بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ عن سَعِيدِ بنِ يَسَارٍ أنّهُ سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ما تَصدقَ أحَدٌ بصَدَقَةٍ مِن طَيّبٍ ولا يَقْبَلُ الله إلاّ الطّيّبَ إلاّ أخَذَهَا الرّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وإنْ كانَتْ تَمْرَةً تَرْبُو في كَفّ الرحمنِ حتّى تكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ كما يُرَبّي أَحَدُكم فَلُوّهُ أو فَصِيلَه‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عائِشةَ وعَدِيّ بنِ حاتِمٍ وأنَسٍ وعبدِ الله بنِ أبي أَوْفَى وحَارِثَةَ بنِ وَهْبٍ وعبدِ الرحمَنِ بنِ عَوْفٍ وبُرَيْدَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

655- حدثنا أبو كُرَيْبٍ محمدُ بنُ العَلاَء حدثنا وَكيعٌ حدثنا عَبّادُ بنُ منصُورٍ حدثنا القاسِمُ بنُ محمدٍ قال‏:‏ سَمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إنّ الله يَقْبَلُ الصّدَقَةَ ويَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فيُرَبّيهَا لأحَدِكُمْ كَمَا يُرَبّي أحَدُكُمْ مُهْرَهُ، حتّى إنّ اللّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أحدٍ‏"‏، وتَصْدِيقُ ذلك في كِتَابِ الله عزّ وجَلّ ‏{‏أَلَمْ يَعْملوُا أن الله هُوَ يَقْبَلُ التّوْبَةَ عن عِبَادِهِ ويَأْخُذُ الصّدَقَاتِ‏}‏ و ‏{‏يمْحَقُ الله الرّبَا ويُرْبِي الصّدَقَاتِ‏}‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد رُوِيَ عن عائشةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هذا‏.‏

وقد قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنْ أَهلِ العلمِ في هذا الحديثِ وما يُشْبِهُ هذا مِنَ الرّوَايَاتِ مِنَ الصّفَاتِ ونُزُولِ الرّبّ تَبَارَكَ وتعاَلى كُلّ لَيْلَةٍ إلى السّمَاءِ الدّنْيَا، قالوا‏:‏ قد تثبُتُ الرّوَايَاتُ في هذا ويؤمَنُ بِهَا ولا يُتَوَهّمُ ولا يُقَال كَيْفَ‏؟‏ هكَذَا رُوِيَ عن مالكِ وسُفْيَانَ بنِ عُيَيْنَةَ وعبدِ الله بنِ المبَارَكِ أنهم قالوا في هذه الأحَاديثِ‏:‏ أَمِرّوها بلا ‏"‏كَيْفَ‏"‏، وهكذا قَوْلُ أهلِ العلمِ مِنْ أهلِ السّنّةِ والجمَاعةِ‏.‏ وأما الْجَهمِيَةُ فأَنْكَرَتْ هذهِ الرّوَاياتِ وقالوا هذا تَشْبِيهٌ‏.‏ وقد ذَكَرَ الله عزّ وجلّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْيَدَ والسّمْعَ والبَصَرَ فَتَأَوّلَتْ الْجَهمِيّةُ هذِه الاَياتِ ففَسّرُوهَا على غَيْرِ ما فَسّرَ أهلُ العِلمِ، وقالوا إنّ الله لم يَخْلُقْ آدَمَ بيَدِهِ، وقالوا إنّ مَعْنَى الْيَدِ ههنا القُوّةُ‏.‏

وقال إسحاقُ بنُ ابراهيمَ‏:‏ إنّما يَكُونُ التّشْبِيهُ إذا قال يَدُ كيَدٍ أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أو مِثْلُ سَمْعٍ، فإِذا قالَ سَمْعٌ كَسَمْعٍ أو مِثْلُ سَمْعٍ فهذا التَشْبِية‏.‏ وأما إذا قال كما قالَ الله تعالى يَدٌ وسَمْعٌ وبَصَرٌ ولا يقولُ كَيْفَ ولا يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ ولا كَسَمْعٍ فهذا لا يَكُونُ تَشْبِيهاً وهُوَ كَمَا قالَ الله تعالَى في كتَابِهِ ‏{‏لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ‏}‏‏.‏

656- حدثنا محمدُ بنُ إسماعيل، حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ حدثنا صَدَقَةُ بنُ موسى عن ثَابِتٍ عن أَنَسٍ قال‏:‏ سُئِلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيّ الصّوْمِ أفْضَلُ بَعْدَ رمَضَانَ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏شَعْبَانُ لِتَعْظيمِ رمَضَانَ‏"‏، قيال‏:‏ فأَيّ الصّدَقَةِ أَفْضَلُ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏صّدَقَةٌ في رَمَضَانَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ‏.‏ وصَدَقَةُ بنُ موسى لَيْسَ عِندهُم بذاكَ القَوِيّ‏.‏

657- حدثنا عُقْبَةُ بنُ مكْرَمٍ العميّ البصْرِيّ، حدثنا عبدُ الله بنُ عيسى الخَزّازُ البصري عن يونُسَ بن عُبَيْدٍ عن الحَسَنِ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إِنّ الصّدقةَ لَتُطْفِيءُ غَضَبَ الرّبّ وتَدْفَعُ عن مِيتَة السّوءِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسن غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ‏.‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعيد المقبري‏)‏ هو ابن سعيد كيسان أبو سعد المدني ثقة من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من طيب‏)‏ أي من حلال ‏(‏ولا يقبل الله إلا الطيب‏)‏ جملة معترضة لتقرير ما قبله‏.‏ وفيه إشارة إلى أن غير الحلال غير مقبول‏.‏ قال القرطبي‏:‏ وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمصدق وهو ممنوع من التصرف فيه والمتصدق به متصرف فيه فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأموراً ومنهياً من وجه واحد وهو محال انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا أخذها الرحمن بيمينه‏)‏ وفي حديث عائشة عند البزار‏:‏ فيتلقاها الرحمن بيده‏.‏ قال في اللمعات‏:‏ المراد حسن القبول ووقوعها منه عز وجل موقع الرضا، وذكر اليمين للتعظيم والتشريف وكلتا يدي الرحمن يمين انتهى‏.‏ وقال الزبير ابن المنير‏:‏ الكناية عن الرضا والقبول بالتلقي باليمين لتثبت المعاني المعقولة من الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات، أي لا يتشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي للشيء بيمينه، لا أن التناول كالتناول المعهود، ولا أن المتناول به جارحة انتهى‏.‏ قلت‏:‏ وسيجيء في هذا الباب ما هو الحق في أحاديث الصفات ‏(‏تربو‏)‏ أي تزيد ‏(‏حتى تكون‏)‏ أي التمرة ‏(‏فلوه‏)‏ بفتح الفاء ويضم وبضم اللام وتشديد الواو أي المهر وهو ولد الفرس ‏(‏أو فصيله‏)‏ ولابن خزيمة من طريق سعيد بن يسار عن أبي هريرة فلوه أو قال فصيله، وهذا يشعر بأن أو للشك قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال في القاموس‏:‏ الفصيل ولد الناقه إذا فصل عن أمه جمعه فصلان بالضم والكسر وككتاب‏.‏ وقال في النهاية‏:‏ لارضاع بعد فصال أي بعد أن يفصل الولد عن أمه وبه سمي الفصيل من أولاد الإبل فعيل بمعنى مفعول، وأكثر من يطلق في الإبل وقد يقال في البقر انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وعدي بن حاتم وأنس وعبد الله بن أبي أوفى وحارثة بن وهب وعبد الرحمن بن عوف وبريدة‏)‏ أما حديث عائشة فأخرجه مسلم، وأما حديث عدي بن حاتم فأخرجه الشيخان وأحمد والترمذي وابن ماجة كذا في شرح سراج أحمد‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث حارثة بن وهب فأخرجه الشيخان وأحمد والنسائي‏.‏ وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فأخرجه ابن سعد وابن عدي في الكامل والطبراني في الأوسط‏.‏ وأما حديث بريدة فأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن إسماعيل‏)‏ هو الإمام البخاري أخبرنا موسى بن إسماعيل المنقري مولاهم أبو سلسة التبوذكي البصري، روى عن جرير بن حازم ومهدي ابن ميمون وخلق، وروى عنه البخاري وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة الحسن بن الخلال ثقة ثبت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال شعبان لتعظيم رمضان‏)‏ أي صوم شعبان ليطابق المبتدأ، قال العراقي‏:‏ يعارضه حديث مسلم عن أبي هريرة‏:‏ أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وحديث أنس ضعيف وحديث أبي هريرة صحيح فيقدم عليه انتهى‏.‏ وقال أبو الطيب السندي‏:‏ ولا يعارضه حديث‏:‏ أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، لجواز أن يكون أفضل الصيام شعبان، ولعل المراد بتعظيم رمضان تعظيم صيامه بأن تتعود النفس له لئلا يقل على النفس فتكرهه طبعا ولئلا تخل بآدابه فجأة الصيام انتهى‏.‏ ويأتي باقي الكلام في صوم شعبان في كتاب الصيام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوى‏)‏ ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، وقال أبو حاتم‏:‏ يكتب حديثه وليس بقوي كذا في الميزان، وقال الحافظ‏:‏ صدوق له أوهام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عقبة بن مكرم‏)‏ بضم الميم وسكون الكاف وفتح الراء ثقة من الحادية عشرة ‏(‏أخبرنا عبد الله بن عيسى الخزاز‏)‏ بمعجمات ضعيف من التاسعة ‏(‏عن يونس بن عبيد‏)‏ أحد الأئمة من رجال الكتب الستة ‏(‏عن الحسن‏)‏ هو الحسن البصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن الصدقة لتطفئ غضب الرب‏)‏ أي سخطه على من عصاه ‏(‏وتدفع ميتة السوء‏)‏ بكسر الميم وهي الحالة التي يكون عليها الإنسان في الموت، والسوء بفتح السين ويضم قال العراقي‏:‏ الظاهر أن المراد بها ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم الهدم والتردي والغرق والحرق وأن يتخبطه الشيطان عند الموت وأن يقتل في سبيل الله مدبراً، وقال بعضهم‏:‏ هي موت الفجاءة، وقيل ميتة الشهرة كالمصلوب مثلا انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كما يربى أحدكم مهره‏)‏ بضم الميم وسكون الهاء قال في القاموس‏:‏ المهر بالضم ولد الفرس أو أول ما ينتج منه ومن غيره‏.‏ جمعه أمهار ومهار ومهارة والأنثى مهرة ‏(‏وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل‏:‏ ‏{‏وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات‏}‏‏)‏ قال العراقي‏:‏ في هذا تخليط من بعض الرواة والصواب‏:‏ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة الاَية وقد رويناه في كتاب الزكاة ليوسف القاضي على الصواب انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وقد صرح بصحته المنذري في الترغيب ‏(‏وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا‏)‏ تقدم لفظه وتخريجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأمروها بلا كيف‏)‏ بصيغة الأمر من الإمرار أي أجردها على ظاهرها ولا تعرضوا لها بتأويل ولا تحريف بل فوضوا الكيف إلى الله سبحانه وتعالى ‏(‏وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة‏)‏ وهو الحق والصواب‏.‏ وقد صنف الحافظ الذهبي في هذا الباب كتاباً سماه كتاب العلو للعلي الغفار في إيضاح صحيح الأخبار وسقيمها، وهو كتاب مفيد نفيس نافع جداً، ذكر في أوله عدة من آيات الاستواء والعلو ثم قال‏:‏ فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف فقف مع نصوص القرآن والسنة ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الاَيات وما حكوه من مذاهب السلف، إلى أن قال‏:‏ فإننا على اعتقاد صحيح وعقد متين من أن الله تعالى تقدس اسمه لا مثل له وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري ونميز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونتعقل وجودها ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها أو نكيفها أو نمثلها بصفات خلقه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً‏.‏ فالاستواء كما قال مالك الإمام وجماعة معلوم والكيف مجهول، ثم ذكر الذهبي الأحاديث الواردة في العلو واستوعبها مع بيان صحتها وسقمها، ثم ذكر بعد سرد الأحاديث أقوال كثير من الأئمة، وحاصل الأقوال كلها وهو ما قال إن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة إلخ، ونقل عن الوليد بن مسلم قال‏:‏ سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قالوا لي أمروها كما جاءت بلا تفسير وإن شئت تفاصيل تلك الأقوال فارجع إلى كتاب العلو‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات إلخ‏)‏ قال الحافظ في مقدمة الفتح‏:‏ الجمهية من ينفي صفات الله تعالى التي أثبتها الكتاب والسنة ويقول القرآن مخلوق ‏(‏وقالوا هذ تشبيه‏)‏ وذهبوا إلى وجوب تأويلها ‏(‏فتأولت الجهمية هذه الاَيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم‏)‏ فتفسيرهم هذه الاَيات ليس إلا تحريفاً لها، فالحذر الحذر عن تأويلهم وتفسيرهم ‏(‏وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إنما معنى اليد القوة‏)‏ فغرضهم من هذا التأويل هو نفي اليد لله تعالى ظناً منهم أنه لو كان له تعالى يد لكان تشبيهاً، ولم يفهموا أن مجرد ثبوت اليد له تعالى ليس بتشبيه ‏(‏وقال إسحاق بن إبراهيم‏)‏ هو إسحاق بن راهويه ‏(‏إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد إلخ‏)‏ هذا جواب عن قول الجهمية‏.‏

458- باب ما جَاءَ في حَقّ السّائل

658- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ بن سعد عن سعِيدِ بنِ أبي سعيد عن عبدِ الرحمَنِ بنِ بُجَيدٍ عن جَدّتِهِ أُم بُجَيْدٍ ‏(‏وكانت مِمّنْ بَايَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالَت لِرَسولِ الله صلى الله عليه وسلم إنّ المِسْكِينَ لَيَقُومُ على بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئاً أُعْطِيْهِ إيّاهُ، فقالَ لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن لم تَجِدِي شَيْئاً تُعِطينه إيّاهُ إلاّ ظِلْفاً مُحْرَقاً فادْفَعِيهِ إليه في يَدِهِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن علي وحُسَيْنِ بنِ علي وأبي هريرةَ وأبي أُمَامَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أُمّ بُجَيْدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعيد بن أبي هند‏)‏ الفزاري مولاهم ثقة من الثالثة ‏(‏عن عبد الرحمَن بن بجيد‏)‏ بضم الموحدة وفتح الجيم مصغراً له روية ذكره بعضهم في الصحابة ‏(‏عن جدته أم بجيد‏)‏ يقال إن اسمها حواء صحابية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا ظلفا‏)‏ بكسر الظاء المعجمة وإسكان اللام وبالفاء هو للبقر والغنم كالحفر للفرس ‏(‏محرقاً‏)‏ اسم مفعول من الإحراق، وقيد الإحراق مبالغة في رد السائل بأدنى ما يتيسر أي لا ترديه محروماً بلا شيء مهما أمكن حتى إن وجدت شيئاً حقيراً مثل الظلف المحرق اعطيه إياه‏.‏ وقال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي‏:‏ اختلف في تأويله فقيل ضربه مثلاً للمبالغة كما جاء‏:‏ من نبي الله له بيتاً في الجنة، وقيل إن الظلف المحرق كان له عندهم قدراً بأنهم يسحقونه ويسفونه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وحسين بن علي وأبي هريرة وأبي أمامة‏)‏ أما حديث علي فأخرجه أبو داود بمثل حديث حسين بن علي الاَتي وفي سنده رجل مجهول، وأما حديث حسين بن علي فأخرجه أيضاً أبو داود مرفوعاً بلفظ‏:‏ للسائل حق وإن جاء على فرس وإسناده حسن إلا أنه مرسل، قال أبو علي بن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما‏:‏ كل روايات حسين بن علي رضي الله عنه مراسيل فهو مرسل صحابي وجمهور العلماء على الاحتجاج به‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان مرفوعاً بلفظ‏:‏ لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة، وأما حديث أبي أمامة فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أم بجيد حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود‏.‏

459- باب ما جَاءَ في إعْطَاءِ المُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُم

‏(‏باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم‏)‏ قال ابن العربي‏:‏ اختلف الناس في المؤلفة قلوبهم هل كانوا مسلمين لكن إسلامهم كان يتوقع عليه الضعف أو الذهاب فأعطوا تثبيتاً، وقيل‏:‏ بل كانوا كفاراً أعطوا استكفاء لشرهم واستعانة للمجاهدين المحاربين بهم، وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار كلها انتهى‏.‏ قلت‏:‏ في قوله ‏"‏وعليه تدل الأخبار كلها‏"‏ نظر ففي حديث أنس عند مسلم‏:‏ فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم الحديث‏.‏

659- حدثنا الحَسنُ بنُ علي الخَلاّلُ، حدثنا يَحْيى بنُ آدَمَ عن ابنِ المبارَكِ عن يُونُسَ بن يزيد عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عن صَفْوَانَ بنِ أُمَيّةَ قال ‏"‏أعْطَانِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَومَ حُنَيْنٍ وإنَهُ لأبْغَضُ الخَلْقِ إلَيّ فمَا زَالَ يُعْطِينيِ حَتّى إنّهُ لأحَبّ الخَلْقِ إليّ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حدثني الحَسنُ بنُ علي بهذا أو شِبْههِ في المُذَاكَرَةِ قال‏:‏ وفي البابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ صَفْوَانَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ وغَيْرُهُ عن الزّهْرِيّ عن سَعِيدِ بنِ المَسيّبِ أنّ صَفْوَانَ بنَ أُمَيّةَ قال‏:‏ ‏"‏أعْطَانِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ وكَأَنّ هذا الحديثَ أَصَحّ وأَشْبَهُ إنّما هُوَ ‏(‏سَعِيدُ بنُ المسَيّبِ أنّ صَفْوَانَ‏)‏‏.‏

وقد اخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في إعْطَاءِ المؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَرَأَى أكثرُ أهلِ العلمِ أنّ لا يُعْطَوْا وقالوا إنّما كانوا قَوْماً على عَهْدِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، كان يَتَأَلّفُهم على الإسْلاَمِ حتّى أَسْلَمُوا، ولَمْ يَروْا أَنْ يُعْطَوْا اليَوْمَ مِنَ الزكاةِ على مِثْلِ هذا المعنَى، وهو قولُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وأَهلِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِم، وبِهِ يقولُ أحمدُ وإسحاقُ‏.‏

وقال بَعْضُهُم‏:‏ مَنْ كانَ اليَوْمَ على مِثْلِ حَالِ هَؤلاَءِ وَرَأَى الإمامُ أنْ يَتَأَلّفَهُمْ على الإسْلاَمِ فأعْطَاهُم جَازَ ذلكَ، وهو قَوْلُ الشّافعيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا يحيى بن آدم‏)‏ بن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين ‏(‏عن صفوان بن أمية‏)‏ بن خلف بن وهب القرشي الجمحي المكي صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان ‏(‏يوم حنين‏)‏ كزبير موضع بين الطائف ومكة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبهذا أو شبهه‏)‏ كأن الترمذي لم يضبط لفظ حديث الحسن بن علي ضبطاً كاملاً فلذلك قال هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد‏)‏ أخرجه مسلم‏.‏ قلت‏:‏ وفي الباب أيضاً عن أنس أخرجه أحمد بإسناد صحيح، وعن عمرو بن تغلب أخرجه أحمد والبخاري‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ وفي الباب أحاديث كثيرة قال‏:‏ وقد عد ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفساً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب أو صفوان بن أمية الخ‏)‏ أي بلفظ ‏"‏إن‏"‏ مكان لفظ ‏"‏عن‏"‏ ‏(‏وكأن هذا الحديث‏)‏ أي حديث معمر وغيره بلفظ‏:‏ أن صفوان بن أمية ‏(‏أصح وأشبه‏)‏ من حديث يونس بلفظ‏.‏ عن صفوان بن أمية، ويونس هذا هو ابن يزيد الأيلي، قال الحافظ في التقريب ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلاً ‏(‏إنما هو سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية‏)‏ قال ابن العربي في العارضة‏.‏ الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية لأن سعيداً لم يسمع من صفوان شيئاً وإنما يقول الراوي فلان عن فلان إذا سمع شيئاً ولو حديثاً واحداً فيحمل سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه على العنعنة، فأما إذا لم يسمع منه شيئاً فلا سبيل إلى أن يحدث عنه لا بعنعنة ولا بغيرها انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرأى أكثر أهل العلم أن لا يعطوا الخ‏)‏ قال الزيلعي في نصب الراية‏:‏ روى ابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر الشعبي قال‏:‏ إنما كانت المؤلفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه انقطعت انتهى‏.‏ قال الحافظ في الدراية‏:‏ في إسناده جابر الجعفي وأخرجه الطبراني وأخرجه عن الحسن نحوه، وروى الطبراني من طريق حبان بن أبي جبلة أن عمر لما أتاه شيبة بن حصين قال‏:‏ الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏.‏ يعني ليس اليوم مؤلفة ‏(‏وقال بعضهم من كان اليوم على مثل هؤلاء ورأى الإمام أن يتألفهم على الإسلام فأعطاهم جاز ذلك‏.‏ وهو قول الشافعي‏)‏ قال ابن العربي‏:‏ قال قوم إذا احتاج الإمام إلى ذلك الاَن فعله وهو الصحيح عندي، وبه قال الشافعي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً‏"‏، فكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لحكمة وحاجة وسبب فوجب أن السبب والحاجة إذا ارتفعت أي يرتفع الحكم وإذا عادت أن يعود ذلك انتهى‏.‏ وقال الشوكاني في النيل‏:‏ والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا، ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة إنتهى‏.‏

460- باب ما جَاءَ في المُتَصَدّقّ يَرِثُ صَدَقَته

660- حدثناعليّ بنُ حُجْرٍ، حدثنا عليّ بنُ مُسْهِرٍ عن عبدِ الله بنِ عَطَاءٍ عن عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عن أبيهِ قال‏:‏ ‏"‏كُنْتُ جَالِساً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ أتَتَهُ امْرَأَةٌ فقالت يا رسولَ الله إني كُنْتُ تَصَدّقْتُ على أُمّي بِجَارِيَةٍ وإنّهَا مَاتَتْ، قال‏:‏ وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ، قالت‏:‏ يا رسولَ الله إنّها كانَ عليها صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا‏؟‏ قال‏:‏ صُومِي عَنْهَا قالت‏:‏ يا رسولَ الله إنّهَا لَمْ تَحُجّ قَط أَفأَحُجّ عَنْهَا‏؟‏ قال‏:‏ نَعم حُجّي عَنْهَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ لا يُعْرَفُ هذا مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ إلا مِنْ هذا الوَجْهِ‏.‏ وعبدُ الله بنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ عِنْدَ أهلِ الحديثِ‏.‏ والعملُ على هذا عِنْدَ أكثَرِ أهلِ العلمِ أنّ الرّجُلَ إذا تَصَدّقَ بِصَدَقَةٍ ثم وَرِثهَا حَلّتْ لَهُ‏.‏

وقال بَعْضُهم إنّما الصدقةَ شَيْءٌ جَعَلَهَا لله، فإِذا وَرِثَهَا فَيَجِبُ أَنْ يَصْرِفَهَا في مِثْلِهِ‏.‏ وَرَوَى سُفْيَانُ الثّوْرِيّ وزُهَيْر بنُ مُعَاوِيَةَ هذا الحديثَ عن عبدِ الله بنِ عَطَاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال وجب أجرك‏)‏ أي بالصلة ‏(‏وردها عليك الميراث‏)‏ النسبة مجازية أي رد الله الجارية عليك بالميراث وصارت الجارية ملكاً لك بالإرث وعادت إليك بالوجه الحلال، والمعنى أنه ليس هذا من باب العود في الصدقة لأنه ليس أمراً إختيارياً‏.‏ قال ابن الملك‏:‏ أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه ثم ورثها حلت له، وقيل يجب صرفها إلى فقير لأنها صارت حقاً لله تعالى انتهى‏.‏ وهذا تعليل في معرض النص فلا يعقل كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صومي عنها‏)‏ قال الطيبي‏:‏ جوز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من قضاء رمضان أو نذر أو كفارة بهذا، ولم يجوز مالك والشافعي وأبو حنيفة انتهى، بل يطعم عنه وليه لكل يوم صاعاً من شعير أو نصف صاع من بر عند أبي حنيفة، وكذا لكل صلاة، وقيل لصلوات كل يوم، كذا في المرقاة‏.‏ قلت‏:‏ ما قال أحمد هو ظاهر الحديث، ويجيء تحقيق هذه المسألة في موضعها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال نعم حجى عنها‏)‏ أي سواء وجب عليها أم لا، أوصت به أم لا، قال ابن الملك‏:‏ يجوز أن يحج أحد عن الميت بالإنفاق ‏(‏وعبد الله بن عطاء ثقة عند أهل الحديث‏)‏ ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الدوري عن ابن معين عبد الله بن عطاء صاحب ابن بريدة ثقة كذا هو في تاريخ الدوري رواية أبي سعيد بن الأعرابي عنه‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بعضهم إنما الصدقة شيء جعلها الله فإذا ورثها فيجب أن يصرفها في مثله‏)‏ قول هذا البعض تعليل في معرض النص فلا يلتفت إليه، والحق هو ما ذهب إليه أكثر أهل العلم‏.‏

461- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ العَوْدِ في الصّدَقَة

661- حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيّ حدثنا عبدُ الرّزّاق عن مَعْمَرٍ عن الزّهْرِيّ عن سَالِمٍ عن ابنِ عُمَر عن عُمَر أنّهُ حَمَلَ على فَرَسٍ في سبيلٍ الله ثم رَآهَا تُبَاعُ فأرادَ أن يَشْتَرِيَهَا فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا تَعْدُ في صَدَقَتِكِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ والعملُ على هَذا عِنْدَ أكثَرِ أهلِ العلمِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني‏)‏ بسكون الميم الكوفي أبو القاسم صدوق من صغار العاشرة ‏(‏أنه حمل على فرس في سبيل الله‏)‏ المراد أنه ملكه إياه ولذلك ساغ له بيعه‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ كان عمر قد حبسه وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى عدم الإنتفاع به، ويرجح الأول قوله‏:‏ ‏(‏لا تعد في صدقتك‏)‏ ولو كان حبساً لعلة به، كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا تعد في صدقتك‏)‏ زاد الشيخان في رواية‏:‏ وإن أعطاك بدرهم فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه‏.‏ قال ابن الملك‏:‏ ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرام لظاهر الحديث، والأكثرون على أنها كراهة تنزيه لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما يسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سومح انتهى‏.‏

فإن قلت‏:‏ هذا الحديث يعارضه حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً‏:‏ لا تحل الصدقة إلا لخمسة‏:‏ لعامل عليها أو رجل إشتراها بماله الحديث، فكيف الجمع بينهما‏؟‏ قلت‏:‏ جمع بينهما مجمل حديث الباب على كراهة التنزيه‏.‏ وقال الشوكاني‏:‏ الظاهر أنه لا معارضة بين هذين الحديثين، فإن حديث عمر في صدقة التطوع، وحديث أبي سعيد في صدقة الفريضة، فيكون الشراء جائزاً في صدقة الفريضة لأنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبهاً له بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها فكره ما يشبهه وهو الشراء انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم‏.‏

462- باب ما جَاءَ في الصدقةِ عن المَيّت

662- حدثنا أحمدُ بنَ مَنِيعٍ، حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا زَكَرِيّا بنُ إسحاقَ قال‏:‏ حدثني عَمْروُ بنُ دِينارٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباس ‏"‏أنّ رَجُلاً قالَ‏:‏ يا رسولَ الله إنّ أُمّي تُوُفّيَتْ أفَيَنْفَعُها إنْ تَصَدّقْتُ عنها‏؟‏، قالَ‏:‏ نَعم، قالَ‏:‏ فإنّ لي مَخْرَفاً فأُشْهِدُكَ أنّي قد تَصَدّقْتُ بِهِ عنها‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ وبِهِ يقولُ أهلُ العِلمِ‏.‏ يقُولُونَ‏:‏ لَيْسَ شَيْءٌ يَصِلُ إلى المَيّتِ إلاّ الصَدَقَةُ والدُعَاءُ‏.‏

وقد رَوَى بَعْضُهُم هذا الحدِيثَ عن عَمْروِ بنِ دِينَارٍ عن عِكْرِمَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلاً قال‏:‏ ومَعْنَى قَوْلِهِ ‏(‏إنّ لي مَخْرَفاً‏)‏ يعْنِي بُسْتَاناً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أفينفعها إن تصدقت عنها‏)‏ بكسر الهمزة على أنها شرطية وفاعل ينفع ضمير راجع إلى التصدق المفهوم من الشرط ولا يلزم الإضمار قبل الذكر، لأن قوله أفينفعها‏"‏ في معنى جزاء الشرط فكأنه متأخر عن الشرط رتبة، أو يقال إن المرجع متقدم حكماً لأن سوق الكلام دال عليه كما في قوله تعالى ‏(‏ولأبويه لكل واحد منهما السدس‏)‏ أي أبوي الميت، قاله أبو الطيب السندي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فان لي مخرفاً‏)‏ بفتح الميم الحديقة من النخل أو العنب أو غيرهما ‏(‏فأشهدك‏)‏ بصيغة المتكلم من الإشهاد ‏(‏به‏)‏ أي بالمخرف ‏(‏عنها‏)‏ أي عن أمي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبه يقول أهل العلم‏:‏ يقولون ليس شيء يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء‏)‏ أي وصول نفعهما إلى الميت مجمع عليه لا اختلاف بين علماء أهل السنة والجماعة، واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن‏.‏ قال القاري في شرح الفقه الأكبر‏:‏ ذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف رحمهما الله إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها انتهى‏.‏ وقال في المرقاة‏:‏ قال السيوطي في شرح الصدور‏:‏ إختلف في وصول ثواب القرآن للميت، فجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول، وخالف في ذلك إمامنا الشافعي مستدلاً بقوله تعالى ‏{‏وإن ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ وأجاب الأولون عن الاَية بأوجه‏:‏ أحدها إنها منسوخة بقوله تعالى ‏{‏والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم‏}‏ الاَية، أدخل الأبناء الجنة بصلاح الاَباء‏.‏ الثاني‏:‏ أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، فأما هذه الأمة فلها ما سعت وما سعى لها، قاله عكرمة‏.‏ الثالث‏:‏ أن المراد بالإنسان هنا الكافر، فأما المؤمن، فله ما سعى وسعى له، قاله الربيع بن أنس‏.‏ الرابع‏:‏ ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما شاء، قاله الحسين بن فضل‏.‏ الخامس‏:‏ أن اللام في الإنسان بمعنى على، أي ليس على الإنسان إلا ما سعى، واستدلوا على الوصول بالقياس على الدعاء والصدقة والصوم والحج والعتق فإنه لا فرق في نقل الثواب بين أن يكون عن حج أو صدقة أو وقف أو دعاء أو قراءة، وبما أخرج أبو محمد السمرقندي في فضائل ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ عن علي مرفوعاً‏:‏ من مر على المقابر وقرأ ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات‏.‏ وبما أخرج أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني في فوائده عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وألهاكم التكاثر ثم قال إني جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله تعالى‏"‏، وبما أخرج صاحب الخلال بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات‏"‏‏.‏ وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً وأن المسلمين ما زالوا في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرأون لموتاهم من غير نكير فكان ذلك إجماعاً، ذكر ذلك كله الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزء ألفه في المسألة انتهى ما في المرقاة بتقديم وتأخير‏.‏

قلت‏:‏ قوله فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً فيه تأمل، فلينظر هل يدل مجموعها على أن لذلك أصلاً أم لا، وليس كل مجموع من عدة أحاديث ضعاف يدل على أن لها أصلاً‏.‏ فأما قوله‏:‏ وأن المسلمين ما زالوا في كل مصر وعصر يجتمعون ويقرأون لموتاهم ففيه نظر ظاهر، فإنه لم يثبت عن السلف الصالحين رضي الله عنهم اجتماعهم وقراءتهم لموتاهم، ومن يدعي ثبوته فعليه البيان بالإسناد الصحيح‏.‏ وقال الشوكاني في النيل‏:‏ والحق أنه يخصص عموم الاَية يعني آية ‏{‏ليس للإنسان إلا ما سعى‏}‏ بالصدقة من الولد وبالحج من الولد ومن غير الولد أيضاً وبالعتق من الولد لما ورد في هذا كله من الحديث، وبالصلاة من الولد أيضاً‏.‏ لما روى الدارقطني أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما‏؟‏ فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك‏.‏‏"‏ قال‏:‏ وبالصيام من الولد لهذا الحديث ولحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم أن امرأة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يودي ذلك عنها‏"‏ قالت‏:‏ نعم، قال‏:‏ ‏"‏فصومي‏"‏‏.‏ ومن غير الولد لحديث‏:‏ من مات وعليه صيام صام عنه وليه‏.‏ متفق عليه من حديث عائشة‏.‏ قال‏:‏ وبقراءة يس من الولد وغيره لحديث‏:‏ ‏"‏إقرأوا على موتاكم يس‏"‏، قال‏:‏ وبالدعاء من الولد وغيره لحديث‏:‏ ‏"‏أو ولد صالح يدعو له‏"‏، ولحديث‏:‏ ‏"‏أستغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت‏"‏، ولغير ذلك من الأحاديث وبجميع ما يفعله الولد لوالديه من أعمال البر لحديث‏:‏ ‏"‏ولد الإنسان من سعيه‏"‏‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرها فيلحق الميت كل شيء فعله غيره‏.‏ هذا تلخيص ما قاله الشوكاني في النيل‏.‏

قلت‏:‏ وحديث الدارقطني الذي ذكره الشوكاني ضعيف لا يصلح للاحتجاج، وذكره مسلم في مقدمة صحيحه وذكر وجه ضعفه‏.‏

463- باب ما جاءَ في نَفَقَةِ المرأةِ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا

663- حدثنا هنّادُ حدثنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشِ، حدثنا شُرَحْبِيلُ بنُ مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيّ عن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيّ قال‏:‏ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في خُطْبَتِهِ عَامَ حَجّةِ الوَدَاعِ يقول‏:‏ ‏"‏لا تُنفِق امْرَأَةٌ شيئاً مِنْ بَيْتِ زَوْجهَا إلاّ بإِذْنِ زَوْجِهَا‏"‏، قيلَ يا رسُولَ الله ولا الطّعَامُ‏؟‏ قالَ‏:‏ ‏"‏ذاكَ أفْضَلُ أَمْوَالِنَا‏"‏‏.‏

وفي الباب عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ وأَسْمَاءَ بنت أبي بَكْرٍ وأَبي هُرَيْرَةَ وعبدِ الله بنِ عَمْروٍ وعائشةَ رضي الله عنها‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي أُمَامَةَ حديثٌ حسنٌ‏.‏

664- حدثنا محمدُ بنُ المُثَنّى، حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن عَمْروِ بنِ مُرّةَ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ أبا وَائِلٍ يُحَدّثُ عن عَائشةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏إذا تَصَدّقَتِ المرأَةُ مِن بَيْتِ زَوْجِهَا كانَ لها بِهِ أجْرٌ وللزّوجِ مِثْلُ ذلكَ وللخازِنِ مِثْلُ ذلكَ ولا ينقُصُ كُلّ واحدٍ منهم مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شيئاً لَهُ بِمَا كَسَبَ ولهَا بِمَا أَنْفَقَتْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

665- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا المُؤمّلُ عن سُفْيَانَ عن مَنْصُورٍ عن أبي وَائِلٍ عن مَسْرُوقٍ عن عائِشَةَ قالت‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إذا أعْطَتِ المرأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِطِيبِ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كان لها مِثْلُ أجْرِهِ لها ما نَوَتْ حَسناً وللخازِنِ مِثْلُ ذلكَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وهذا أَصحّ مِنْ حديثِ عَمْرِو بن مُرّةَ عن أبي وَائِلٍ‏.‏ وعَمْروُ بن مُرّةَ لا يذْكُرُ في حديِثهِ عن مَسْرُوقٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تنفق‏)‏ نفي وقيل نهى ‏(‏إلا بإذن زوجها‏)‏ أي صريحاً أو دلالة ‏(‏قال ذلك أفضل أموالنا‏)‏ يعني فإذا لم تجز الصدقة بما هو أقل قدراً من الطعام بغير إذن الزوج فكيف تجوز بالطعام الذي هو أفضل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص‏)‏ أخرجه أبو داود بلفظ قال‏:‏ لما بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء قامت امرأة جليلة كأنها من نساء مضر‏.‏ فقالت يا نبي الله أنأكل على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا ما يحل لنا من أموالهم‏؟‏ قال‏:‏ الرطب تأكلنه وتهدينه ‏(‏وأسماء بنت أبي بكر‏)‏ أخرجه عبد الرزاق بلفظ‏:‏ أن أسماء بنت أبي بكر قالت‏:‏ ما لي شيء إلا ما يدخل على الزبير فأتصدق منه‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنفقي ولا توكي فيوكى عليك‏"‏ ‏(‏وأبي هريرة‏)‏ أخرجه الشيخان مرفوعاً بلفظ‏:‏ إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره ‏(‏وعبد الله بن عمرو‏)‏ لينظر من أخرجه ‏(‏وعائشة‏)‏ أخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي أيضاً في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي أمامة حديث حسن‏)‏ في سنده إسماعيل بن عياش الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، وقد روى هذا الحديث عن شرحبيل بن مسلم الخولاني وهو من أهل بلده فإنه شامي‏.‏ قال في التقريب في ترجمته‏:‏ صدوق فيه لين، وقال في الخلاصة‏:‏ وثقه العجلي وأحمد وضعفه ابن معين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها‏)‏ أي بطيب نفس غير مفسدة كما في الرواية الاَتية، وفي رواية للبخاري‏:‏ من طعام بيتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وللخازن‏)‏ أي الذي كانت النفقة بيده ‏(‏له بما كسب‏)‏ أي للزوج بسبب كسبه وتحصيله ‏(‏ولها بما أنفقت‏)‏ أي وللزوجة بسبب إنفاقها‏.‏ قال محي السنة‏:‏ عامة العلماء على أنه لا يجوز لها التصدق من مال زوجها بغير إذنه وكذا الخادم‏.‏ والحديث الدال على الجواز أخرج على عادة أهل الحجاز يطلقون الأمر للأهل والخادم في التصدق والإنفاق عند حضور السائل ونزول الضيف كما قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ لا توعي فيوعى الله عليك انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن وأخرجه البخاري ومسلم‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا أعطت المرأة من بيت زوجها‏)‏ أي أنفقت وتصدقت ‏(‏غير مفسدة‏)‏ نصب على الحال أي غير مسرفة في التصدق‏.‏ وهذا محمول على إذن الزوج لها بذلك صريحاً أو دلالة، وقيل هذا جار على عادة أهل الحجاز فإن عاداتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيفوا الأضياف ويطعموا السائل والمسكين والجيران فحرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته على هذه العادة الحسنة والخصلة المستحسنة، كذا في المرقاة ‏(‏فإن لها مثل أجره‏)‏ أي للمرأة مثل أجر الزوج ‏(‏لها ما نوت حسناً‏)‏ حال من الموصولة في قوله‏:‏ ما نوت كذا في بعض الحواشي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل‏)‏ أي حديث منصور عن أبي وائل بذكر مسروق أصح من حديث عمرو بن مرة عن أبي وائل بدون ذكر مسروق فإنه قد تابع منصوراً الأعمش في ذكر مسروق كما في صحيح البخاري‏.‏

464- باب ما جاءَ في صَدَقَةِ الفِطر

‏(‏باب ما جاء في صدقة الفطر‏)‏ أي من رمضان فأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر منه ويقال لها زكاة الفطر وزكاة رمضان وزكاة الصوم، وكان فرضها في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان قبل العيد بيومين، قاله القسطلاني‏.‏

666- حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ، حدثنا وكِيعٌ عن سُفْيَانَ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عِيَاضِ بنِ عبدِ الله عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قال‏:‏ ‏"‏كُنّا نُخْرِجُ زكاةَ الفِطْرِ إذ كانَ فِينَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَاعاً مِنْ طَعَامٍ أو صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أو صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أو صَاعاً مِن زَبِيبٍ أو صَاعاً مِنْ أقِطٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجْهُ حتّى قَدِمَ مُعاوِيةُ المَدينَةَ فَتَكَلمَ فكانَ فيما كَلّمَ بِهِ النّاسَ‏:‏ إنّي لأرَى مُدّيْنِ مِنْ سَمْرَاءَ الشّامِ تَعْدِلُ صاعاً مِنْ تَمْرٍ‏.‏

قالَ‏:‏ فأخَذَ النّاسُ بذلكَ‏.‏ قال أبو سعيدٍ‏:‏ فلا أزالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ والعمل على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ مِنْ كُلّ شيءٍ صَاعاً‏.‏ وهو قَوْلُ الشّافِعِيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏

وقالَ بَعْضُ أَهْلِ العلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم مِنْ كُلّ شَيْءٍ صَاعٌ إِلاّ مِنَ البُرّ فإِنّهُ يُجْزِيءُ نِصْفُ صَاعٍ‏.‏ وهو قولُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابنِ المُبَارَكِ وأهلِ الكُوفَةِ يَرَوْنَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرّ‏.‏

667- حدثنا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ البَصْريّ، حدثنا سَالِمُ بنُ نُوحٍ عن ابنِ جُرَيجٍ عن عَمْروِ بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جَدّهِ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُنادِياً في فِجَاجِ مَكّةَ‏:‏ ‏"‏ألاَ إنّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ على كُلّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أو أنْثَى حُر أو عَبْدٍ صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، مُدّانِ مِنْ قَمحٍ أو سِوَاهُ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

وروى عمر بن هارون هذا الحديث عن ابن جريج وقال‏:‏ عن العبّاس بن قيناء عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر بعض هذا الحديث حدثنا جارو وحدثنا عمر بن هارون هذا الحديث‏.‏

668- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا حَمّادُ بنُ زَيْدٍ عن أيوبَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَر قال‏:‏ ‏"‏فَرَضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَدَقَةَ الفِطْرِ على الذّكَرِ والأنْثَى والحُرّ والمَمْلُوكِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أو صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، قال‏:‏ فَعَدَلَ النّاسُ إلى نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُر‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وفي البابِ عن أبي سَعِيدٍ وابنِ عباسٍ وجَدّ الحَارِثِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي ذُبَابٍ وثَعْلَبَةَ بنِ أبي صُعَيْرٍ وعبدِ الله بنِ عَمْرو‏.‏

669- حدثنا إسحاقُ بنُ موسىَ الأنصَارِيّ، حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن عبدِ الله بنِ عُمَر ‏"‏أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَرضَ زكاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمضانَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أو صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ على كُلّ حُر أو عَبْدٍ ذَكَر أو أُنْثَى مِنَ المُسْلِمينَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وَرَوَى مالكٌ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحو حديثِ أيّوبَ‏.‏ وَزَادَ فيهِ ‏(‏من المسلمينَ‏)‏ ورواهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن نافِعٍ ولم يَذكُرْ فيه ‏(‏من المسلمينَ‏)‏‏"‏‏.‏

واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ في هذا، فقالَ بَعْضُهُم‏:‏ إذا كانَ للِرّجُلِ عَبِيدٌ غَيْرُ مُسْلِمينَ لَمْ يُؤَدّ عنهم صَدَقَةَ الفِطْرِ وهو قَوْلُ مَالِكٍ والشافعيّ وأحمدَ‏.‏ وقال بعْضُهم يُؤَدّي عنهم وإن كانُوا غَيْرَ مُسْلِمينَ وهُو قَوْلُ الثّوْريّ وابنِ المَبارَكِ وإسحاقَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر‏)‏ ظاهره المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له، قال هو وغيره قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏.‏ وقد رد ذلك ابن المنذر وقال ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد صاعاً من طعام حجة لمن قال صاع من حنطة وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره إن أبا سعيد قال‏.‏ كنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعاً من طعام‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر، وهي ظاهرة فيما قال‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وأخرج ابن خزيمة من طريق فضيل ابن غزوان عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة، ولمسلم من وجه آخر عن عياض عن أبي سعيد‏:‏ كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير، وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة، وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة انتهى‏.‏ وقال القاري في المرقاة‏:‏ قال علماؤنا‏:‏ المراد بالطعام المعنى العام فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاص على العام انتهى ‏(‏أو صاعاً من زبيب‏)‏ أي عنب يابس‏.‏ قال في الصراح‏:‏ زبيب مويز زبيبة يكي، يقال زبب فلان عنبه تزبيباً ‏(‏أو صاعاً من أقط‏)‏ بفتح الهمزة وكسر القاف‏.‏ قال في النهاية‏:‏ هو لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به ‏(‏حتى قدم معاوية المدينة‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ حتى قدم معاوية حاجاً أو معتمراً فكلم الناس على المنبر، وفي رواية ابن خزيمة‏:‏ وهو يومئذ خليفة ‏(‏من سمراء الشام‏)‏ أي القمح الشامي ‏(‏فأخذ الناس بذلك‏)‏ المراد بالناس الصحابة رضي الله عنهم ‏(‏قال أبو سعيد‏:‏ فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه‏)‏ وفي رواية لمسلم‏:‏ فأنكر ذلك أبو سعيد وقال‏:‏ لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الأئمة الستة في كتبهم مختصراً ومطولاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شيء صاعاً‏)‏ أي من بر كان أو من غيره ‏(‏وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر صاعاً من طعام، والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن غالباً فيه كما تقدم، وتفسيره بغير البر إنما هو لما تقدم من أنه لم يكن معهوداً عندهم فلا يجزئ دون الصاع منه، وإليه ذهب أبو سعيد رضي الله عنه وأبو العالية وأبو الشعثاء والحسن البصري وجابر بن زيد والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، كذا في النيل‏.‏ واستدل لهم أيضاً بأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع تخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان فلا فرق بين الحنطة وغيرها‏.‏

قلت‏:‏ قولهم هذا هو الأحوط عندي والله تعالى أعلم‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن الصاع صاعان حجازي وعراقي، فالصاع الحجازي خمسة أرطال وثلث رطل، والعراقي ثمانية أرطال، وإنما يقال له العراقي لأنه كان مستعملاً في بلاد العراق مثل الكوفة وغيرها، وهو الذي يقال له الصاع الحجاجي لأنه أبرزه الحجاج الوالي، وأما الصاع الحجازي فكان مستعملاً في بلاد الحجاز، وهو الصاع الذي كان مستعملاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبه كانوا يخرجون صدقة الفطر في عهده صلى الله عليه وسلم، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والجمهور وهو الحق‏.‏ وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله بالصاع العراقي، وكان أبو يوسف يقول بقوله فلما دخل المدينة وناظر الإمام مالكاً رجع عن قوله وقال بقول الجمهور‏.‏ وقد بسطنا الكلام في هذا باب صدقة الزرع والتمر والحبوب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم‏:‏ من كل شيء صاع إلا من البر فإنه يجزئ نصف صاع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة‏)‏ وهو قول جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، قال الحافظ في الدراية‏:‏ منهم أبو بكر رضي الله عنه عند عبد الرزاق من طريق أبي قلابة عن أبي بكر أنه أخرج زكاة الفطر مدين من حنطة، وهو منقطع‏.‏ ومنهم عمر رضي الله عنه عند أبي داود والنسائي من طريق عبد العزيز أبي داود عن نافع، وفيه‏:‏ فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل نصف صاع حنطة‏.‏ ومنهم عثمان أخرجه الطحاوي وفيه نصف صاع بر‏.‏ ومنهم علي‏.‏ ومنهم ابن الزبير أخرجه عبد الرزاق، وفيه‏:‏ مدان من قمح‏.‏ وعن ابن عباس وجابر وابن مسعود نحوه‏.‏ وعن أبي هريرة نحوه أخرجه عبد الرزاق أيضاً انتهى‏.‏

وقال في فتح الباري‏:‏ قال ابن المنذر‏:‏ لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم‏.‏ ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى‏.‏ واستدل لمن قال بنصف صاع من البر بأحاديث كلها ضعيفة ذكر الترمذي بعضاً منها وأشار إلى بعضها‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ ويمكن أن يقال إن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص بأحاديث نصف الصاع من البر، وهذه الأحاديث بمجموعها تنتهض للتخصيص‏.‏ انتهى محصلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عقبة بن مكرم‏)‏ بضم أوله وسكون الكاف وفتح المهملة العمى أبو عبد الملك البصري الحافظ‏.‏ قال أبو داود‏:‏ ثقة ‏(‏أخبرنا سالم بن نوح‏)‏ صدوق له أوهام، كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في فجاج مكة‏)‏ جمع فج وهو الطريق الواسع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مدان من قمح‏)‏ أي هي مدان من حنطة، فهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ‏(‏أو سواه‏)‏ أي سوى القمح، وأو للتخيير أو للتنويع ‏(‏من طعام‏)‏ بيان لقوله سواه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب حسن‏)‏ قال الزيلعي في نصب الراية‏:‏ وأعله ابن الجوزي في التحقيق بسالم بن نوح قال ابن معين‏:‏ ليس بشيء، وتعقبه صاحب التنقيح فقال‏:‏ هو صدوق روى له مسلم في صحيحه‏.‏ وقال أبو زرعة‏:‏ صدوق ثقة، ووثقه ابن حبان، وقال النسائي‏:‏ ليس بالقوي، وقال الدارقطني‏:‏ فيه شيء، وقال ابن عدي‏.‏ عنده غريب وأفراد وأحاديثه مقاربة مختلفة انتهى‏.‏ وقال الحافظ في الدراية‏:‏ ورواه الدارقطني من وجه آخر عن عمرو بن شعيب، وقد اختلف فيه على عمرو، فقيل عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل عنه بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر‏)‏ فيه دليل على أن صدقة الفطر من الفرائض‏.‏ وقد نقل الحافظ بن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، ولكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفريضة على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب، قالوا إذ لا دليل قاطع تثبت به الفرضية‏.‏ قال الحافظ بن حجر‏:‏ وفي نقل الإجماع نظر لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا إن وجوبها نسخ‏.‏ ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية انتهى‏.‏ وقال النووي‏:‏ إختلف الناس في معنى ‏"‏فرض‏"‏ ههنا فقال جمهورهم من السلف والخلف‏:‏ معناه ألزم وأوجب فزكاة الفطر فرض واجب عندهم لدخولها في عموم قوله تعالى ‏(‏وآتوا الزكاة‏)‏ ولقوله‏:‏ ‏"‏فرض‏"‏ وهو غالب في استعمال الشرع‏.‏ وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ إيجاب زكاة الفطر كالإجماع انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال فعدل الناس إلى نصف صاع من بر‏)‏ قيل المراد من الناس الصحابة رضي الله عنهم فيكون إجماعاً‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد‏)‏ أخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي في أول الباب ‏(‏وابن عباس‏)‏ أخرجه أبو داود والنسائي عنه قال‏:‏ في آخر رمضان أخرجوا صدقة صومكم فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعاً من تمر أو شعير أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير، وهو من رواية الحسن عن ابن عباس، والحسن لم يسمع عن ابن عباس وله طرق أخرى كلها ضعيفة قد ذكرها الحافظ الزيلعي والحافظ ابن حجر في تخريجهما للهداية ‏(‏وجد الحارث بن عبد الرحمَن بن أبي ذباب‏)‏ لينظر من أخرجه ‏(‏وثعلبة بن أبي صعير‏)‏ بالتصغير أخرج أبو داود عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ صاع من بر أو قمح عن كل اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى، أما غنيكم فيزكيه الله وأما فقيركم فيرد عليه أكثر مما أعطاه، وفي سنده ومتنه اختلاف قد بسطه الحافظ الزيلعي في نصب الراية ‏(‏وعبد الله بن عمرو‏)‏ أخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى‏)‏ قال النووي‏.‏ فيه دليل على أنها على أهل القرى والأمصار والبوادي في الشعاب وكل مسلم حيث كان، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير العلماء‏.‏ وعن عطاء والزهري وربيعة والليث‏:‏ أنها لا تجب إلا على أهل الأمصار والقرى دون البوادي‏.‏ قال‏:‏ وفيه دليل للشافعي والجمهور في أنها تجب على من ملك فاضلاً عن قوته وقوت عياله يوم العيد‏.‏ وقال أبو حنيفة‏.‏ لا تجب على من يحل له أخذ الزكاة، وعندنا أنه لو ملك من الفطرة المعجلة فاضلاً عن قوته ليلة العيد ويومه لزمته الفطرة عن نفسه وعياله وعن مالك وأصحابه في ذلك خلاف‏.‏ قال‏:‏ وفيه حجة للكوفيين في أنها تجب على الزوجة في نفسها ويلزمها إخراجها من مالها، وعند مالك والشافعي والجمهور يلزم الزوج فطرة زوجته لأنها تابعة للنفقة، وأجابوا عن الحديث بمثل ما أجيب لداود في فطرة العبد انتهى كلام النووي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من المسلمين‏)‏ قال النووي‏:‏ هذا صريح في أنها لا تخرج إلا عن مسلم ولا يلزمه من عبده وزوجته وولدة ووالده الكفار وإن وجبت عليه نفقتهم، وهذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء‏.‏ وقال الكوفيون وإسحاق وبعض السلف‏.‏ تجب عن العبد الكافر، وتأول الطحاوي على أن المراد بقوله ‏"‏من المسلمين‏"‏ السادة دون العبيد، وهذا يرده ظاهر الحديث انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ورواه غير واحد عن نافع ولم يذكروا فيه من المسلمين‏)‏ قال النووي‏:‏ قال الترمذي وغيره‏.‏ وهذه اللفظة انفرد بها مالك دون سائر أصحاب نافع وليس كما قالوا، ولم ينفرد بها مالك بل وافقه فيها ثقتان وهما الضحاك بن عثمان وعمر بن نافع أخبرنا الضحاك، ذكره مسلم، وأما عمر ففي البخاري انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول مالك والشافعي وأحمد‏)‏ وهو قول الجمهور كما قال الحافظ في فتح الباري وحجتهم قول ‏"‏من المسلمين‏"‏ وهي زيادة صحيحة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول الثوري وابن المبارك وإسحاق‏)‏ واستدلوا بعموم حديث‏:‏ ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر‏.‏ وأجاب الاَخرون بأن الخاص يقضي على العام، فعموم قوله في عبده مخصوص بقوله ‏"‏من المسلمين‏"‏ كذا في الفتح‏.‏

465- باب ما جَاءَ في تَقْديِمها قبلَ الصّلاة

670- حدثنا مُسْلِمُ بنُ عَمْروِ بنِ مُسلْمٍ أبو عَمْروٍ الحَذّاءُ المدني حدّثَنيِ عبدُ الله بنِ نَافِعٍ الصائغُ عن ابنِ أبي الزّنَادِ عن موسى بنِ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَر ‏"‏أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَأْمُرُ بإِخْرَاجِ الزكاةِ قَبْلَ الغدو للِصلاةِ يَوْمَ الفِطْرِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب‏.‏ وهو الذي يَسْتَحِبّهُ أهلُ العلمِ أنْ يُخْرِجَ الرّجُلُ صَدَقَةَ الفِطْرِ قَبْلَ الغَدُوّ إلى الصّلاةِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ابن أبي الزناد‏)‏ اسمه عبد الرحمَن المدني مولى قريش صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهاً من السابعة ‏(‏عن موسى بن عقبة‏)‏ بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير ثقة فقيه إمام في المغازي من الخامسة لم يصح أن ابن معين لينه ‏(‏كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر‏)‏ الغدو المشي أول النهار أي قبل خروج الناس للصلاة وبعد صلاة الفجر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم بلفظ‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن يؤدي قبل خروج الناس للصلاة وبعد صلاة الفجر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو الذي يستحبه أهل العلم الخ‏)‏ قال ابن عيينة في تفسيره‏:‏ عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال‏:‏ يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله يقول ‏(‏قد أفلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلى‏)‏ ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الاَية فقال نزلت في زكاة الفطر‏.‏ كذا في فتح الباري‏.‏ وفي صحيح البخاري‏:‏ وكان ابن عمر يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين‏.‏ قال البخاري‏:‏ كانوا يعطون ليجمع لا للفقراء‏.‏

وفي موطأ الأمام مالك عن نافع أن ابن عمر كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع قبل الفطر بيومين أو ثلاثة قال الحافظ في الفتح‏:‏ وأخرجه الشافعي عنه وقال هذا حسن وأنا أسحبه، يعني تعجيلها قبل يوم الفطر انتهى‏.‏ ويدل على ذلك أيضاً ما أخرجه البخاري في الوكالة وغيرها عن أبي هريرة قال‏:‏ وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان الحديث، وفيه‏:‏ أنه أمسك الشيطان ثلاث ليال وهو يأخذ من التمر، فدل على أنهم كانوا يعجلونها، وعكسه الجوزقي فاستدل به على جواز تأخيرها عن يوم الفطر وهو محتمل للأمرين انتهى‏.‏

قلت‏:‏ أثر ابن عمر رضي الله عنه إنما يدل على جواز إعطاء صدقة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين ليجمع لا للفقراء كما قال البخاري رحمه الله، وكذلك حديث أبي هريرة‏.‏ وأما إعطاؤها قبل الفطر بيوم أو يومين للفقراء فلم يقم عليه دليل والله أعلم‏.‏

466- باب ما جَاءَ في تعجيل الزكاة

671- حدثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمَنِ، أخبرنا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ حدثنا إسماعيلُ بنُ زَكَرِيّا عن الحَجّاجِ بنِ دِينَارٍ عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عن حُجَيّةَ بنِ عَدِي عن علي ‏"‏أنّ العَبّاسَ سَأَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أن تَحِلّ فَرَخّصَ له في ذلكَ‏"‏‏.‏

672- حدثنا القَاسِمُ بنُ دِينَارٍ الكُوفِيّ حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ عن إسرائيلَ عن الحَجّاجِ بنِ دِينارٍ عن الحَكمِ بنِ جَحْلٍ عن حُجْرٍ العَدَوِيّ عن علي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لِعُمَرَ‏:‏ ‏"‏إنّا قد أَخَذْنَا زكاةَ العَبّاسِ عَامَ الأوّلِ لِلْعَامِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عباسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ لا أعرِفُ حديثَ تَعْجِيلِ الزكاةِ مِنْ حديثِ إسْرَائيلَ عن الحَجّاجِ بنِ ديِنَارٍ إلاّ مِنْ هذا الوجْهِ‏.‏ وحديثُ إسماعيلَ بنِ زكريّا عن الحجّاجِ عِنْدِي أَصَحّ مِنْ حديثِ إسرائيلَ عن الحجّاجِ بنِ دِينَارٍ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً‏.‏

وقد اخْتَلَفَ أَهلُ العِلْمِ في تَعْجِيلِ الزكاةِ قَبْلَ مَحلّهَا، فَرَأَى طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلمِ أن لا يُعَجّلَهَا‏.‏ وبِهِ يقولُ سُفْيَانُ الثّوْرِيّ‏.‏ قال‏:‏ أحَبّ إلَيّ أَن لا يُعَجّلَهَا‏.‏ وقال أكثرُ أَهلِ العِلمِ إنْ عجّلَهَا قَبْلَ مَحلّهَا أَجْزَأَتْ عَنهُ‏.‏ وبه يقولُ الشّافِعِيّ وأحمدُ وإسحاقُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبد الله بن عبد الرحمَن‏)‏ بن الفضل بن بهرام السمرقندي أبو محمد الحافظ صاحب المسند ثقة فاضل متقن، روى عنه مسلم وأبو داود والترمذي والبخاري في غير الصحيح مات سنة خمس وخمسين ومائتين ‏(‏عن سعيد بن منصور‏)‏ بن شعبة الخراساني نزيل مكة ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوبه به، كان حافظاً جوالاً صنف السنن جمع فيها ما لم يجمعه غيره، مات سنة 227 سبع وعشرين ومائتين ‏(‏عن الحكم بن عتيبة‏)‏ بالمثناة ثم الموحدة مصغراً الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة ‏(‏عن حجية‏)‏ بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وتشديد التحتانية بوزن علية ‏(‏بن عدي‏)‏ الكندي‏.‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ صدوق يخطئ من الثالثة‏.‏ وقال الذهبي في الميزان‏:‏ حجية بن عدي الكندي عن علي، قال أبو حاتم شبه مجهول لا يحتج به‏.‏ قلت روى عنه الحكم وسلمة بن كهيل وأبو إسحاق وهو صدوق إن شاء الله، قد قال فيه العجلي ثقة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قبل أن تحل‏)‏ أي قبل أن يجيء وقتها من حلول الأجل مجيئه كذا في بعض الحواشي‏.‏ وقال في مجمع البحار قبل أن يحل بكسر الحاء من الحلال أو من حلول الدين أي يجب‏.‏ وقال القاري في المرقاة‏:‏ قبل أن تحل بكسر الحاء أي تجب الزكاة وقيل قبل أن تصير حالاً بمعنى الحول ‏(‏فرخص له‏)‏ أي للعباس وفيه دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل الحول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الحكم بن جحل‏)‏ بفتح الجيم وسكون المهملة الأزدي البصري ثقة من السادسة ‏(‏عن حجر العدوي‏)‏ قال الحافظ في التقريب قيل هو حجية بن عدي وإلا فمجهول من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام‏)‏ المعنى‏:‏ إنا قد أخذنا زكاته العام الأول لهذا العام‏.‏ وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي رافع بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر إنا كنا تعجلنا صدقة مال العباس رضي الله عنه عام أول كذا في التلخيص، وفيه أيضاً دليل على جواز تعجيل الصدقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عباس‏)‏ أخرجه الدارقطني عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعياً فأتى العباس فأغلظ له فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل‏.‏ وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضاً هو والطبراني من حديث أبي رافع نحو هذا وإسناده ضعيف أيضاً، ومن حديث أبن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم تعجل من العباس صدقة سنتين، وفي سنده محمد بن ذكوان وهو ضعيف‏.‏ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذه الروايات‏:‏ وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق والله أعلم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روي هذا الحديث عن الحكم بن عتيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل‏)‏ أي وهو مرسل ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم ورجح رواية منصور عن الحسن بن مسلم بن يناق عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وكذا رجحه أبو داود، وكذا في التلخيص‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها‏)‏ وهو قول مالك قال‏:‏ الزكاة إسقاط الواجب، ولا إسقاط قبل الوجوب وصار كالصلاة قبل الوقت بجامع أنه أداء قبل السبب إذ السبب هو النصاب الحولي ولم يوجد‏.‏ قال ابن الهمام في جوابه‏:‏ قلنا لا نسلم اعتبار الزائد على مجرد النصاب جزءاً من السبب بل هو النصاب فقط والحول‏.‏ تأجيل في الأداء بعد أصل الوجوب، فهو كالدين المؤجل، وتعجيل المؤجل صحيح فالأداء بعد النصاب كالصلاة في أول الوقت لا قبله، وكصوم المسافر رمضان لأنه بعد السبب‏.‏ ويدل على صحة هذا الاعتبار ما في أبو داود والترمذي من حديث علي أن العباس سأل النبي صلى الله عليه وسلم في تعجيل زكاته الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقال أكثر أهل العلم إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول الحنفية وهو الحق‏.‏ واستدلوا بحديث الباب وبحديث أبي هريرة‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وفيه‏:‏ وأما العباس فهي علي ومثلها معي، رواه مسلم‏.‏ قال النووي قوله‏:‏ فهي علي ومثلها معها معناه أني تسلفت منه زكاة عامين‏.‏ وقال الذين لا يجوزون تعجيل الزكاة معناه أنا أؤديها عنه‏.‏ قال أبو عبيدة وغيره‏:‏ معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرها عن العباس إلى وقت يساره من أجل حاجته إليها والصواب أن معناه تعجلتها منه، وقد جاء في حديث آخر في غير مسلم‏:‏ إنا تعجلنا منه صدفة عامين انتهى كلام النووي‏.‏

قلت‏:‏ أشار النووي إلى ما رواه الطبراني والبزار من حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم تسلف من العباس صدقة عامين وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف، ورواه البزار من حديث موسى بن طلحة عن أبيه نحوه وفي إسناده الحسن بن عمارة وهو متروك، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس وفي إسناده مندل بن علي والعزرمي وهما ضعيفان، والصواب أنه مرسل‏.‏